عربي ودولي

خروقات إسرائيلية متواصلة للهدنة في غزة

رغم التحذيرات المصرية والتركية والضغوط الأميركية، يواصل قطاع غزة تسجيل توتر ميداني متصاعد منذ بدء وقف إطلاق النار، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية التي تشمل الغارات والقصف المدفعي ونسف المباني وعمليات الاغتيال، وسط تدهور إنساني حاد جراء المجاعة والنزوح وشح المياه والغذاء.
وفي أحدث التطورات، استشهد ثلاثة فلسطينيين وأصيب آخرون السبت، إثر غارة نفذتها طائرة مسيّرة إسرائيلية قرب مدخل مستشفى شهداء الأقصى في مدينة دير البلح وسط القطاع، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية في مناطق متفرقة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه التحذيرات من أن استمرار العمليات الإسرائيلية قد يدفع الأوضاع في القطاع نحو مزيد من الفوضى، خصوصًا مع استهداف أشخاص مرتبطين بالحكومة والشرطة الفلسطينية، واستمرار تدمير البنية التحتية والمباني السكنية.
وكشفت تقارير إسرائيلية، استنادًا إلى مصادر أمنية، عن تغيير في سياسة الاغتيالات التي ينفذها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، إذ ذكرت صحيفة «هآرتس» أن القيادة السياسية الإسرائيلية أصدرت تعليمات تقضي بالحصول على موافقة مسبقة من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي لتنفيذ عمليات الاغتيال، مع استثناء الحالات التي تعتبرها إسرائيل «خطرًا محدقًا» وتتطلب تحركًا فوريًا.
ونفت مكاتب رئيس الحكومة ووزير الأمن الإسرائيليين ما أوردته التقارير بشأن منع عمليات الاغتيال، مؤكدة أن «القيادة السياسية أقرت كل عملية اغتيال أحالها الجيش الإسرائيلي إليها». وتشير هذه المعطيات إلى أن القيود الجديدة لا تعني وقف عمليات الاغتيال، بقدر ما تتعلق بتغيير آلية الموافقة عليها ونقل مسؤولية اتخاذ القرار إلى مستويات عسكرية عليا في بعض الحالات.
وبحسب مصادر عسكرية إسرائيلية، استشهد 514 فلسطينيًا في قطاع غزة منذ بدء وقف إطلاق النار، فيما أُصيب نحو 150 آخرين، بينما شنت القوات الإسرائيلية ضربات على 790 هدفًا خلال فترة الهدنة.
وفي المقابل، تشير تقارير أخرى إلى أن إجمالي عدد الشهداء الفلسطينيين منذ بدء الهدنة تجاوز 1260 شهيدًا، في حين بلغ عدد المصابين 4154.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، تصاعد التوتر بين إسرائيل وتركيا بعد تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره المصري بدر عبد العاطي في مدينة العلمين، حذر فيها من أن تركيا ومصر وقطر قد تلجأ إلى «خطوات جذرية» إذا واصلت الحكومة الإسرائيلية رفض اتخاذ خطوات مقابلة للالتزامات التي نفذها الجانب الفلسطيني.
وقال فيدان إن تنفيذ خطة غزة دخل «مرحلة حرجة»، مشيرًا إلى أن أنقرة والقاهرة والدوحة تتوقع من الولايات المتحدة ممارسة ضغط مباشر على إسرائيل لدفع المسار السياسي إلى الأمام.
واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته بعدم امتلاك «نية حقيقية» للمضي في اتفاق السلام.
وردت وزارة الخارجية الإسرائيلية على تصريحات فيدان بحدة، واتهمته بـ«تهديد إسرائيل بعد يوم واحد فقط من ظهوره إلى جانب خريطة تمحو إسرائيل بالكامل»، مضيفة: «يمكنه أن يوفر علينا المحاضرات والتهديدات».
وأكدت إسرائيل أن أي مسار مقبل يجب أن يتضمن «نزع سلاح حماس وتجريد غزة من السلاح»، مشددة على أنها لن تسمح للحركة «بإعادة بناء القدرة على تهديد مواطنيها».
وفي سياق الجهود الأميركية لدفع المرحلة التالية من خطة غزة، أفادت القناة الإسرائيلية 12، نقلًا عن خمسة مصادر مطلعة، بأن مبعوث الرئيس الأميركي وصهره جاريد كوشنر يعتزم زيارة إسرائيل الأسبوع المقبل برفقة الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام» في غزة نيكولاي ملادينوف، لإجراء محادثات بشأن الوضع في القطاع ودفع تنفيذ الخطة الأميركية.
وستكون الزيارة، في حال تمت، الأولى لكوشنر إلى إسرائيل منذ كانون الثاني، وتأتي في وقت تسعى فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب و«مجلس السلام» إلى الانتقال إلى المرحلة التالية من خطة غزة.
وبحسب التقرير، تبدي حكومة نتنياهو شكوكًا عميقة تجاه الخطة الأميركية، في وقت تزيد فيه الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة في تشرين الأول من حساسية الملف سياسيًا. ونقل التقرير عن مسؤول أميركي رفيع المستوى قوله: «نتفق على الهدف الاستراتيجي، لكن إسرائيل أبدت بعض التحفظات على الخطة، ونريد التحدث معها لضمان التنسيق بيننا».
وقال مسؤول أميركي آخر إن البيت الأبيض يرى في بعض مواقف نتنياهو مناورة سياسية مرتبطة بالانتخابات، مضيفًا: «نتفهم احتياجات نتنياهو السياسية. لا مشكلة لدينا في ذلك طالما أنه يواصل تنفيذ ما نطلبه، لا سيما فيما يتعلق بكبح الهجمات على غزة».
وأشار التقرير إلى أن إدارة ترامب لا تريد أن تؤدي الانتخابات الإسرائيلية إلى تعطيل تنفيذ المرحلة المقبلة من الخطة، فيما يواجه نتنياهو معادلة سياسية معقدة بين تجنب تقديم تنازلات قد تضر بموقعه الانتخابي وعدم الدخول في مواجهة مع ترامب عشية الانتخابات.
ونقل عن مسؤول أميركي قوله: «الانتخابات تثير حالة من الهلع لدى الجميع».
وميدانيًا، واصل الجيش الإسرائيلي تنفيذ عمليات عسكرية في القطاع رغم الحديث عن القيود على الاغتيالات، ففي الخميس الماضي، شن الجيش الإسرائيلي هجومين على الأقل أسفرا عن استشهاد فلسطينيين وإصابة آخرين، بينهم مدير شرطة محافظة غزة العقيد جمال أبو كميل وجميع أفراد عائلته، إثر قصف استهدف مركبته في شارع الرشيد جنوب غربي مدينة غزة.
كما أعلن الجيش الإسرائيلي اغتيال محمد مشتهى إثر غارة نفذها في شمال قطاع غزة في 30 تموز الماضي، مدعيًا أنه كان قائد سرية في كتيبة الشاطئ التابعة للجناح العسكري لحركة حماس.
وفي أحدث الهجمات، استشهد ثلاثة فلسطينيين وأصيب آخرون السبت جراء غارة بطائرة مسيّرة إسرائيلية قرب مدخل مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح.
وكانت تقارير أولية قد تحدثت عن استهداف دراجة نارية في شارع صلاح الدين بالقرب من المستشفى، قبل أن ترتفع حصيلة الضحايا.
وفي جنوب القطاع، واصلت القوات الإسرائيلية عمليات نسف المباني شمال مدينة رفح، حيث أفادت مصادر محلية بتنفيذ سبع عمليات نسف أو أكثر منذ الليلة قبل الماضية، كما سجلت عمليات مماثلة في مناطق أخرى، بينها حي التفاح شرقي مدينة غزة، بالتزامن مع إطلاق نار وقصف مدفعي في عدد من المناطق.
وأصيب فلسطينيان برصاص القوات الإسرائيلية خارج مناطق انتشارها في خان يونس جنوبي القطاع، ووصفت إصابة أحدهما بالخطيرة، فيما أصيب ثلاثة صيادين فلسطينيين بنيران زوارق حربية إسرائيلية أثناء عملهم قبالة سواحل مدينة غزة، في أحدث الخروقات لاتفاق وقف إطلاق النار.
وأفادت مصادر فلسطينية بأن القوات الإسرائيلية نفذت سبع عمليات نسف شمال مدينة رفح، بينما قال منسق اتحاد لجان الصيادين في غزة زكريا بكر إن زوارق حربية إسرائيلية أطلقت نيران رشاشاتها تجاه قارب صيد، ما أدى إلى إصابة ثلاثة صيادين ونقلهم إلى المستشفى، مشيرًا إلى استمرار الاعتداءات على العاملين في قطاع الصيد وحرمانهم من مصدر رزقهم.
ويواجه صيادو غزة قيودًا مشددة على الوصول إلى البحر منذ اندلاع الحرب، فيما أفاد تقرير للأمم المتحدة في الثاني من تموز الماضي بأن البحرية الإسرائيلية واصلت منع سكان القطاع من الوصول إلى البحر رغم سريان وقف إطلاق النار.
وتعرض قطاع صيد الأسماك في غزة لأضرار واسعة خلال الحرب، شملت ميناء غزة ومراكب الصيد ومعداته، بينما أكدت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «فاو» أن استعادة نشاط القطاع تتطلب توفير وصول آمن إلى البحر.
وتشير التطورات الميدانية والسياسية المتزامنة إلى استمرار هشاشة وقف إطلاق النار في غزة، وسط ضغوط أميركية ومصرية وتركية وقطرية لمنع انهيار المسار السياسي، في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية وتتفاقم الأوضاع الإنسانية في القطاع، ما يزيد المخاوف من اتساع دائرة العنف وتعثر الجهود الرامية إلى الانتقال إلى المرحلة التالية من خطة التهدئة.