أكد أخصائي علم الاجتماع مفيد السرحان والخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب أن ارتفاع كلف الزواج في الأردن يرتبط بعوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية متداخلة، تتجاوز قيمة المهر لتشمل السكن والذهب والأثاث والحفلات والجاهات، ما يتطلب معالجة متكاملة تجمع بين تغيير ثقافة المظاهر والمباهاة، وتحسين الظروف الاقتصادية للشباب، وتوفير حلول عملية لتيسير تأسيس الأسرة.
وقال السرحان إن خفض كلف الزواج يتطلب تغيير النظرة المجتمعية للزواج، والابتعاد عن المباهاة والتفاخر وثقافة الاستهلاك والإنفاق المبالغ فيه، مشيرا إلى أن المبادرات السابقة لتقليل التكاليف لم تحقق النتائج المطلوبة بسبب محدودية الالتزام بها، وربط مستوى الإنفاق بالقيمة الاجتماعية للشخص والأسرة، إلى جانب تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في إبراز حفلات الزواج مرتفعة الكلفة.
ودعا إلى تحويل المبادرات من مطالبات نظرية إلى ممارسات عملية، من خلال تقديم الوجهاء والقيادات المجتمعية والشخصيات المؤثرة نماذج فعلية في تخفيف تكاليف زواج أبنائهم وبناتهم، مؤكدا أن القدوة تكون أكثر تأثيرا عندما تصدر عن أشخاص قادرين ماديا، بما يعكس قناعة حقيقية بأهمية التغيير.
ولفت إلى أن كلف الزواج تبدأ قبل عقده، إذ تسهم الجاهات الكبيرة واستئجار القاعات والضيافة وكثرة المدعوين في رفع النفقات، داعيا إلى إقامة الجاهات في المنازل والدواوين بأعداد محدودة، واستخدام قاعات الجمعيات، وعدم المبالغة في المهور وتوابعها، مثل الذهب والأثاث.
كما دعا إلى إنشاء صناديق عائلية لمساعدة المقبلين على الزواج، وتوفير القروض الحسنة، وإيجاد قاعات مجانية أو بأجور رمزية، إلى جانب إقامة مشاريع سكنية ميسرة، وتوفير الأثاث والأجهزة المنزلية بتكاليف معتدلة.
وأكد السرحان أن ارتفاع كلف الزواج قد يدفع بعض الشباب إلى الاستدانة، ما يؤثر لاحقا في قدرتهم على الوفاء بالتزامات الأسرة، مشددا على أهمية تعزيز القناعة بأن قيمة الزواج لا ترتبط بحجم الإنفاق، وإنما بما يحققه من استقرار وسكينة ومودة ورحمة وبناء أسرة متماسكة.
من جانبه، أكد الحدب أن ارتفاع كلف الزواج أصبح تحديا اقتصاديا يؤثر في قدرة الشباب على تأسيس الأسرة، موضحا أن المؤشرات الرسمية تعكس تغيرا واضحا في توقيت الزواج.
وبين أن متوسط العمر عند الزواج الأول للذكور ارتفع من 29.8 سنة عام 2014 إلى 32.5 سنة عام 2024، بزيادة بلغت 2.7 سنة، فيما ارتفع لدى الإناث من 25.6 إلى 27.5 سنة، بزيادة تقارب 1.9 سنة خلال عشر سنوات.
وأشار إلى انخفاض عدد عقود الزواج المسجلة للأردنيين من 67,941 عقدا عام 2017 إلى 55,200 عقد عام 2022، بتراجع نسبته 18.8%، فيما ارتفعت حالات الزواج بنسبة 5.3% خلال عام 2024 مقارنة بعام 2023.
وأوضح الحدب أن بطالة الشباب في الأردن ما تزال مرتفعة وتقترب من 46%، الأمر الذي يجعل القدرة على تأسيس أسرة أكثر صعوبة حتى قبل احتساب كلف المهر والحفل والأثاث، مؤكدا أن توفير دخل مستقر للشباب يمثل نقطة أساسية في معالجة المشكلة.
ولفت إلى أن كلفة السكن قد تكون أكثر تأثيرا من بعض النفقات الاحتفالية، باعتبارها التزاما شهريا طويل الأجل، فيما تشمل كلفة تأسيس الأسرة المهر والذهب والسكن والأثاث والأجهزة والحفل والضيافة، إضافة إلى النفقات الشهرية التي تبدأ بعد الزواج.
وأشار الحدب إلى أن المؤشرات الرسمية لا توفر حتى الآن مؤشرا وطنيا دوريا شاملا لكلفة تأسيس الأسرة يقيس المهر والسكن والأثاث والذهب والحفلات مقارنة بدخل الشباب، مقترحا تطوير «مؤشر تكلفة تأسيس الأسرة» لقياس حجم المشكلة وتوزيعها جغرافيا ودخليا، بما يساعد على بناء سياسات أكثر دقة.
وأكد أن تقديم قروض استهلاكية كبيرة لتمويل حفلات مرتفعة الكلفة ليس حلا مستداما، لأنه قد يحول مشكلة كلفة الزواج إلى مديونية في السنوات الأولى من حياة الأسرة، داعيا بدلا من ذلك إلى توجيه التمويل نحو الاحتياجات الأساسية، مثل السكن والأثاث والأجهزة المنزلية، وبأقساط تتناسب مع قدرة الزوجين على السداد.
واقترح إطلاق مبادرة وطنية دائمة لتيسير تأسيس الأسرة، تجمع البنوك وشركات الإسكان والأثاث والأجهزة الكهربائية وقاعات المناسبات وشركات التأمين ومؤسسات المجتمع المدني، بهدف توفير خصومات جماعية وتسهيلات للشباب، مستفيدة من القوة الشرائية الناتجة عن تفاوض أعداد كبيرة من المقبلين على الزواج بصورة جماعية.
وأكد أن تخفيف كلف الزواج يمكن أن يسهم في الحد من التأخر في الزواج، لكنه لن يعيد الأعمار تلقائيا إلى مستويات سابقة، لارتباط سن الزواج أيضا بالتعليم والعمل وتغير أنماط الحياة، مشيرا إلى أن ارتفاع متوسط عمر الزواج الأول خلال عقد بنحو 2.7 سنة للذكور و1.9 سنة للإناث يستحق الاهتمام في التخطيط السكاني، خصوصا مع وصول معدل الإنجاب الكلي في الأردن إلى نحو 2.6 طفل لكل امرأة عام 2024.
وشدد الحدب على أن التدخل الحكومي الأفضل لا يتمثل في فرض سقوف قانونية موحدة للمهور، وإنما في خفض كلفة تأسيس الأسرة من خلال فرص العمل والسكن والتسهيلات، بالتوازي مع دور مجتمعي وديني وإعلامي يعزز ثقافة الاعتدال.
وأشار إلى أن رسوم عقد الزواج الرسمي تبلغ 40 دينارا، ما يعني أن العبء المالي الأكبر يقع خارج الإجراءات الرسمية، وفي المتطلبات الاقتصادية والاجتماعية المصاحبة للزواج.
وبين أن المبادرة الوطنية المقترحة يمكن أن تنطلق من ثلاثة مسارات متوازية: إعداد مؤشر ومسح وطني لكلفة تأسيس الأسرة، وإنشاء منصة للشراكة بين البنوك والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني لتوفير حزم مخفضة وتمويل مسؤول، وتطوير حلول سكنية موجهة للشباب تشمل وحدات أصغر وكلفة أقل، وبرامج إيجار طويل الأجل أو تملك تدريجي.
واختتم الحدب بالتأكيد على أن قضية الزواج لا ينبغي التعامل معها بوصفها حملة موسمية لخفض المهور، وإنما كقضية متكاملة تتصل بالدخل والسكن وفرص العمل وتكلفة المعيشة وثقافة الاستهلاك، مشددا على أن نجاح أي مبادرة يقاس بقدرة الأسر على بدء حياتها من دون مديونية مرهقة، وليس بعدد حفلات الزواج التي جرى تمويلها.