خبراء: وقف الاستيطان والضم ومصادرة الأراضي ضرورة لحماية حل الدولتين
تؤكد التحذيرات المتواصلة التي يطلقها جلالة الملك عبدالله الثاني بشأن خطورة الإجراءات الإسرائيلية أحادية الجانب في الضفة الغربية والقدس، خطورة الخطوات المتسارعة للاستيطان ومحاولات الاحتلال الإسرائيلي فرض وقائع جديدة على الأرض، بما يهدد أسس حل الدولتين ويفاقم حالة التوتر وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط.
وكان جلالته شدد، خلال لقائه قبل أيام وفدًا من مساعدي أعضاء في الكونغرس الأميركي، على رفض الأردن لأي إجراءات إسرائيلية تستهدف فرض واقع جديد في القدس والضفة الغربية، مؤكدًا جلالته الموقف والرؤية الأردنية الثابتة، وأن المنطقة لن تنعم بالاستقرار ما لم يحصل الفلسطينيون على حقوقهم المشروعة وتقام دولتهم المستقلة على أساس حل الدولتين. كما حذر جلالته من خطورة الإجراءات الأحادية في الضفة الغربية، ودعا إلى ضرورة تكثيف الجهود الدولية لوقف الإجراءات غير القانونية الهادفة إلى ترسيخ الاستيطان وفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة.
التحذير الملكي يؤكد أن الأردن لا يتعامل مع الاستيطان والضم باعتبارهما إجراءين منفصلين، وإنما باعتبارهما جزءًا من مسار سياسي متكامل يستهدف تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي والقانوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأن استمرار بناء المستوطنات ومصادرة الأراضي وفرض أنظمة وإجراءات إسرائيلية على أجزاء من الضفة الغربية يمكن أن يؤدي عمليًا إلى تقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية، الأمر الذي يجعل إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة أكثر صعوبة.
المخاوف الأردنية هذه تكتسب أهمية خاصة في ظل مصادقة السلطات الإسرائيلية في حزيران من هذا العام على بناء 2126 وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية المحتلة، وهو ما أدانه الأردن باعتباره خرقًا للقانون الدولي وتقويضًا لجهود حل الدولتين.
إذ إن الرسالة الأردنية هنا تتجاوز حدود الإدانة السياسية، لتؤكد أن أي محاولة لفرض واقع جديد على الأرض لن تمنح هذا الواقع شرعية قانونية، وأن التسوية النهائية يجب أن تقوم على المرجعيات الدولية وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني.
الموقف الأردني، بحسب مراقبين، يعكس قراءة سياسية مفادها أن إدارة الصراع بدلًا من حله لن تؤدي إلى استقرار دائم، وأن استمرار الاحتلال والاستيطان والضم سيبقي المنطقة أمام موجات متكررة من التوتر والعنف.
فالأردن باستمرار يشدد على أن الدولة الفلسطينية يجب أن تقوم على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، بالتوازي مع رفض أي إجراءات إسرائيلية لفرض السيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة.
كما أن تحذيرات جلالة الملك بشأن الضفة الغربية لا تختلف عن تحذيراته المتعلقة بالقدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية فيها، فالقدس بالنسبة للأردن ليست مجرد ملف سياسي، وإنما قضية ترتبط بالقانون الدولي والوضع التاريخي والقانوني القائم في المدينة، فضلًا عن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية.
حيث تضع المملكة الدفاع عن القدس ومقدساتها وأهلها في مقدمة أولويات تحركها الدبلوماسي، وتواصل العمل عبر الاتصالات الثنائية والمنابر الدولية على مواجهة الإجراءات الإسرائيلية أحادية الجانب التي تستهدف تغيير طابع المدينة أو وضعها التاريخي والقانوني.
من جهتها، قالت أستاذة العلوم السياسية في جامعة الزيتونة، الدكتورة رشا المبيضين، إن التأكيد الملكي على حماية المقدسات يحمل دلالة سياسية ودينية وقانونية في آن واحد، خصوصًا في ظل تكرار الاقتحامات والإجراءات التي ترى فيها المملكة أنها تستهدف تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى والحرم القدسي الشريف.
ولفتت إلى أن مطالبة جلالة الملك بوقف الاعتداءات على المقدسات الإسلامية والمسيحية لا تنطلق فقط من خصوصية الدور الأردني، وإنما تتصل أيضًا بمسؤولية المجتمع الدولي تجاه حماية الأماكن الدينية والحفاظ على الوضع القانوني والتاريخي القائم في القدس، مشيرة إلى أن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس مستمرة، وأنها تشكل إطارًا تاريخيًا وقانونيًا لحماية هذه المقدسات ورعايتها.
وأضافت أن أي محاولة لتغيير طبيعة المقدسات أو فرض ترتيبات جديدة عليها تحمل مخاطر تتجاوز البعد الفلسطيني والإسرائيلي، وقد تمس الاستقرار الإقليمي، نظرًا للحساسية الدينية لمدينة القدس.
وقالت المبيضين إن الأردن لم يكتفِ برفض الإجراءات الإسرائيلية، بل واصل الدعوة إلى تحرك دولي فاعل لوقف الاستيطان والضم وحماية المقدسات، مع التأكيد على أن المجتمع الدولي مطالب بتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية.
وأضافت أن الأشهر الماضية شهدت مواقف عربية وإسلامية متقاربة بشأن رفض الضم والاستيطان والإجراءات أحادية الجانب، لافتة إلى أن جوهر التحذير الملكي يتمثل في منع تحول الإجراءات أحادية الجانب إلى حقائق دائمة يصعب التراجع عنها مستقبلًا.
الباحث والمحلل السياسي الدكتور مجد مقبل قال إن الرسالة الأردنية واضحة: إنه لا يمكن بناء سلام مستدام على واقع يفرض بالقوة، ولا يمكن تحقيق الاستقرار الإقليمي مع استمرار تقويض حقوق الفلسطينيين أو المساس بالقدس ومقدساتها، لافتًا إلى أن الأردن، بحكم موقعه الجغرافي والسياسي وعلاقاته العربية والدولية، يركز في تحركه على منع الانزلاق نحو مرحلة يصبح فيها الضم والاستيطان أمرًا واقعًا، وعلى إبقاء حل الدولتين حاضرًا باعتباره الإطار السياسي القادر على إنهاء الصراع وتحقيق الأمن والاستقرار.
وتابع مقبل أن حماية حل الدولتين تبدأ من وقف السياسات التي تقوضه على الأرض، وفي مقدمتها الاستيطان والضم ومصادرة الأراضي، بالتوازي مع حماية القدس ومقدساتها والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم فيها، مشددًا على أن الطريق إلى الأمن والسلام لا يمر عبر فرض الوقائع، وإنما عبر احترام القانون الدولي وإنهاء الاحتلال، وضمان حقوق الشعب الفلسطيني، وإقامة دولته المستقلة والحفاظ على المقدسات، باعتبارها مفتاحًا رئيسيًا لأي سلام عادل ودائم.