في العاصمة اللبنانية بيروت انعقد المؤتمر العربي لمواجهة غسل الأموال الذي نظمه اتحاد المصارف العربية، بمشاركة نخبة من المسؤولين والخبراء والمصرفيين وممثلي المؤسسات المالية والرقابية. وقد جاء المؤتمر في توقيت مهم، في ظل التطور المتسارع في أساليب الجرائم المالية والتحول الرقمي، ليطرح سؤالا يتجاوز حدود القوانين والعقوبات: هل يمكن مواجهة غسل الأموال من دون معالجة البيئة الاقتصادية والمؤسسية التي تسمح للأموال غير المشروعة بالحركة والنمو؟
من منظور اقتصادي، غسل الأموال ليس مجرد جريمة مالية، بل هو في جانب منه نتيجة لاختلالات اقتصادية ومؤسسية. فالأموال غير المشروعة تبحث عن اقتصاد تتسع فيه الأنشطة غير الرسمية، ومؤسسات تعاني من ضعف الحوكمة، وأنظمة رقابية لا تمتلك الأدوات الكافية لتتبع التدفقات المالية. لذلك فإن مكافحة غسل الأموال تبدأ قبل دخول الأموال غير المشروعة إلى النظام المصرفي، وتبدأ من بناء اقتصاد أكثر استقرارا وشفافية.
فالاستقرار الاقتصادي يمثل خط الدفاع الأول عن النزاهة المالية. عندما تكون السياسات المالية والنقدية أكثر انضباطا، والدين العام أكثر استدامة، والأسعار أكثر استقرارا، تتراجع مستويات عدم اليقين وتزداد الثقة بالمؤسسات. أما الاختلالات الاقتصادية المزمنة فتخلق بيئة أكثر ملاءمة لاتساع الاقتصاد غير الرسمي وزيادة المخاطر المالية.
ومن هنا يأتي الإصلاح الأول، وهو تقليص حجم الاقتصاد غير الرسمي ودمجه تدريجيا في الاقتصاد المنظم. ولا يتحقق ذلك بالعقوبات وحدها، وإنما بجعل الاقتصاد الرسمي أكثر جاذبية من العمل خارجه، من خلال تبسيط الإجراءات، وتحسين البيئة الضريبية، وتقليل كلفة ممارسة الأعمال، وتسهيل انتقال المشروعات الصغيرة والمتوسطة إلى القطاع الرسمي. فكلما اتسعت قاعدة الاقتصاد الرسمي، أصبحت حركة الأموال أكثر وضوحا وقابلية للتتبع.
ويأتي الشمول المالي كإصلاح اقتصادي ومصرفي في الوقت نفسه. فانتشار الحسابات المصرفية ووسائل الدفع الإلكتروني والمحافظ الرقمية يقلل الاعتماد على النقد، ويزيد قدرة المؤسسات المالية والرقابية على تتبع حركة الأموال. ولذلك فإن الشمول المالي ليس سياسة اجتماعية فقط، بل أداة اقتصادية وأمنية تعزز النزاهة وتضيق المساحات التي يمكن أن تتحرك فيها الأموال غير المشروعة.
وفي القطاع المصرفي، لم يعد الامتثال التقليدي كافيا. المطلوب هو الانتقال إلى الامتثال الذكي والرقابة القائمة على المخاطر، بحيث تركز المصارف والجهات الرقابية مواردها على العمليات والأنشطة والعملاء الأكثر عرضة للمخاطر. كما أن الحوكمة المؤسسية أصبحت خط الدفاع الأول داخل المؤسسات المالية، من خلال تعزيز استقلالية مجالس الإدارة، وفاعلية لجان التدقيق، وتقوية إدارات الامتثال وإدارة المخاطر.
وتفرض التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي واقعا جديدا على القطاع المصرفي. فالقدرة على تحليل البيانات الضخمة واكتشاف الأنماط المالية غير الاعتيادية تساعد على رفع كفاءة الرقابة، وتقليل الإنذارات غير الضرورية، والانتقال من الرقابة التي تكتشف المخاطر بعد وقوعها إلى رقابة استباقية تحاول اكتشافها قبل تحولها إلى مشكلة. لكن التكنولوجيا لا تكفي وحدها، إذ يبقى الاستثمار في الكفاءات والتدريب وبناء القدرات جزءا أساسيا من منظومة النزاهة.
ومن هنا يمكن النظر إلى النزاهة المصرفية من خلال مثلث متكامل: اقتصاد مستقر، وقطاع مصرفي يتمتع بحوكمة قوية ورقابة قائمة على المخاطر، ونظام مالي يوظف التكنولوجيا والبيانات في اكتشاف المخاطر واستباقها. إن تكامل هذه الأركان يمنح النظام المالي قدرة أكبر على حماية نفسه وحماية الاقتصاد.
والرسالة الأهم التي يمكن الخروج بها من المؤتمر العربي لمواجهة غسل الأموال في بيروت هي أن مكافحة غسل الأموال لا ينبغي النظر إليها باعتبارها تكلفة تنظيمية تتحملها المصارف، بل باعتبارها استثمارا اقتصاديا طويل الأجل. فالنظام المالي النزيه يعزز الثقة، ويخفض تكلفة التمويل، ويحسن بيئة الاستثمار، ويدعم الاستقرار والنمو.
إن النزاهة ليست قيمة أخلاقية فقط وإنما أصل اقتصادي أيضا. وكل استثمار في الحوكمة والشفافية والتكنولوجيا والرقابة وبناء القدرات هو استثمار في استقرار الاقتصاد وقدرته على النمو.
إن أقوى أدوات مواجهة غسل الأموال ليست العقوبات وحدها، وإنما بناء اقتصاد لا يجد فيه المال غير المشروع البيئة المناسبة للنمو، ومؤسسات تتمتع بالثقة والشفافية، وقطاع مصرفي قادر على اكتشاف المخاطر قبل تحولها إلى أزمات. وهذه هي المعادلة الحقيقية التي تربط بين الإصلاح الاقتصادي والنزاهة المصرفية: اقتصاد أكثر استقرارا، ومؤسسات أكثر قوة، ونظام مالي أكثر نزاهة.
من منظور اقتصادي، غسل الأموال ليس مجرد جريمة مالية، بل هو في جانب منه نتيجة لاختلالات اقتصادية ومؤسسية. فالأموال غير المشروعة تبحث عن اقتصاد تتسع فيه الأنشطة غير الرسمية، ومؤسسات تعاني من ضعف الحوكمة، وأنظمة رقابية لا تمتلك الأدوات الكافية لتتبع التدفقات المالية. لذلك فإن مكافحة غسل الأموال تبدأ قبل دخول الأموال غير المشروعة إلى النظام المصرفي، وتبدأ من بناء اقتصاد أكثر استقرارا وشفافية.
فالاستقرار الاقتصادي يمثل خط الدفاع الأول عن النزاهة المالية. عندما تكون السياسات المالية والنقدية أكثر انضباطا، والدين العام أكثر استدامة، والأسعار أكثر استقرارا، تتراجع مستويات عدم اليقين وتزداد الثقة بالمؤسسات. أما الاختلالات الاقتصادية المزمنة فتخلق بيئة أكثر ملاءمة لاتساع الاقتصاد غير الرسمي وزيادة المخاطر المالية.
ومن هنا يأتي الإصلاح الأول، وهو تقليص حجم الاقتصاد غير الرسمي ودمجه تدريجيا في الاقتصاد المنظم. ولا يتحقق ذلك بالعقوبات وحدها، وإنما بجعل الاقتصاد الرسمي أكثر جاذبية من العمل خارجه، من خلال تبسيط الإجراءات، وتحسين البيئة الضريبية، وتقليل كلفة ممارسة الأعمال، وتسهيل انتقال المشروعات الصغيرة والمتوسطة إلى القطاع الرسمي. فكلما اتسعت قاعدة الاقتصاد الرسمي، أصبحت حركة الأموال أكثر وضوحا وقابلية للتتبع.
ويأتي الشمول المالي كإصلاح اقتصادي ومصرفي في الوقت نفسه. فانتشار الحسابات المصرفية ووسائل الدفع الإلكتروني والمحافظ الرقمية يقلل الاعتماد على النقد، ويزيد قدرة المؤسسات المالية والرقابية على تتبع حركة الأموال. ولذلك فإن الشمول المالي ليس سياسة اجتماعية فقط، بل أداة اقتصادية وأمنية تعزز النزاهة وتضيق المساحات التي يمكن أن تتحرك فيها الأموال غير المشروعة.
وفي القطاع المصرفي، لم يعد الامتثال التقليدي كافيا. المطلوب هو الانتقال إلى الامتثال الذكي والرقابة القائمة على المخاطر، بحيث تركز المصارف والجهات الرقابية مواردها على العمليات والأنشطة والعملاء الأكثر عرضة للمخاطر. كما أن الحوكمة المؤسسية أصبحت خط الدفاع الأول داخل المؤسسات المالية، من خلال تعزيز استقلالية مجالس الإدارة، وفاعلية لجان التدقيق، وتقوية إدارات الامتثال وإدارة المخاطر.
وتفرض التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي واقعا جديدا على القطاع المصرفي. فالقدرة على تحليل البيانات الضخمة واكتشاف الأنماط المالية غير الاعتيادية تساعد على رفع كفاءة الرقابة، وتقليل الإنذارات غير الضرورية، والانتقال من الرقابة التي تكتشف المخاطر بعد وقوعها إلى رقابة استباقية تحاول اكتشافها قبل تحولها إلى مشكلة. لكن التكنولوجيا لا تكفي وحدها، إذ يبقى الاستثمار في الكفاءات والتدريب وبناء القدرات جزءا أساسيا من منظومة النزاهة.
ومن هنا يمكن النظر إلى النزاهة المصرفية من خلال مثلث متكامل: اقتصاد مستقر، وقطاع مصرفي يتمتع بحوكمة قوية ورقابة قائمة على المخاطر، ونظام مالي يوظف التكنولوجيا والبيانات في اكتشاف المخاطر واستباقها. إن تكامل هذه الأركان يمنح النظام المالي قدرة أكبر على حماية نفسه وحماية الاقتصاد.
والرسالة الأهم التي يمكن الخروج بها من المؤتمر العربي لمواجهة غسل الأموال في بيروت هي أن مكافحة غسل الأموال لا ينبغي النظر إليها باعتبارها تكلفة تنظيمية تتحملها المصارف، بل باعتبارها استثمارا اقتصاديا طويل الأجل. فالنظام المالي النزيه يعزز الثقة، ويخفض تكلفة التمويل، ويحسن بيئة الاستثمار، ويدعم الاستقرار والنمو.
إن النزاهة ليست قيمة أخلاقية فقط وإنما أصل اقتصادي أيضا. وكل استثمار في الحوكمة والشفافية والتكنولوجيا والرقابة وبناء القدرات هو استثمار في استقرار الاقتصاد وقدرته على النمو.
إن أقوى أدوات مواجهة غسل الأموال ليست العقوبات وحدها، وإنما بناء اقتصاد لا يجد فيه المال غير المشروع البيئة المناسبة للنمو، ومؤسسات تتمتع بالثقة والشفافية، وقطاع مصرفي قادر على اكتشاف المخاطر قبل تحولها إلى أزمات. وهذه هي المعادلة الحقيقية التي تربط بين الإصلاح الاقتصادي والنزاهة المصرفية: اقتصاد أكثر استقرارا، ومؤسسات أكثر قوة، ونظام مالي أكثر نزاهة.