محليات

تجارة العطور المقلدة.. حين تصبح الزجاجة الأصلية غطاءً للغش

منصات التواصل تفتح سوقاً علنية للزجاجات الفارغة

8 - 12 ديناراً تكلفة التعبئة.. و40 ديناراً سعر البيع
تركيبات غير مطابقة تثير مخاوف على صحة المستهلك
دعوة رسمية لشراء العطور من مصادر موثوقة

«إحنا شركة محترمة، ما نبيع عطورًا غير أصلية لماركات معروفة»، بهذه الكلمات أغلق مندوب مبيعات في شركة متخصصة ببيع العطور الهاتف في وجه «أماني»، بعد احتجاجها على أن العطر الذي اشترته يختلف كليًا عن العطر الأصلي.
حاولت أماني إرجاع العطر بكافة الطرق، لكن جميع محاولاتها باءت بالفشل، بحجة أن العلبة أصبحت مستخدمة.
قصة أماني ليست فردية، بل تعكس ظاهرة آخذة بالانتشار؛ فبعد أن شاهدت إعلانًا عبر إحدى الصفحات المتخصصة ببيع العطور الأصلية، قررت شراء زجاجة عطر نسائية لماركة عالمية بسعر متوسط.
تمت عملية الشراء والتوصيل بسهولة، لكن المفاجأة كانت صادمة: الزجاجة أصلية، أما السائل بداخلها فمزيج من سبيرتو وزيوت عطرية لا يدوم سوى دقائق، ويترك أثرًا زيتيًا على الملابس.
هذه القصة تفتح الباب أمام تساؤلات عديدة: من المسؤول عن هذه الظاهرة؟ وكيف يقع المواطن البسيط ضحية شبكات منظمة امتهنت الغش والاحتيال في سبيل الكسب غير المشروع؟
من الحاويات إلى أيدي التجار
بعد تحرٍّ وجمع معلومات من مصادر متعددة، تبيّن أن الزجاجات الفارغة تأتي من حاويات القمامة ومخلفات المنازل.
أشخاص يقومون بنبش الحاويات بحثًا عن زجاجات العطور، ليبيعوها لاحقًا لتجار متخصصين بشراء زجاجات الماركات العالمية، سواء الفرنسية أو الإيطالية أو العربية.
وهنا تتراوح الأسعار بين 1 و6 دنانير للزجاجة الواحدة، شرط أن تكون نظيفة وخالية من الخدوش، ويفضّل أن ترافقها العلبة الكرتونية الأصلية. وبعد ذلك، يتولى وسطاء شراء كميات كبيرة وإعادة بيعها لمركّبي العطور، الذين ينظفون الزجاجات ويعيدون طلائها إذا لزم الأمر، ثم يعبئونها بخلطات تركيبية ويغلفونها بعلب أصلية، ليُطرح المنتج في الأسواق على أنه «عطر أصلي» بأسعار منخفضة.
مشاهدات من الأسواق الشعبية
في جولة داخل أحد الأسواق الشعبية، أكد «أحمد» أن تجارة الزجاجات الفارغة رائجة، وأن كثيرًا من الناس يبيعونها لأشخاص معروفين في هذا المجال.
وفي زيارة لأحد هؤلاء التجار، ظهر بالفعل وجود كميات ضخمة من زجاجات فارغة لماركات عالمية وعربية مشهورة، ليوضح التاجر أن وظيفته تقتصر على جمع الزجاجات وبيعها لتجار آخرين، دون التعامل بالعطور نفسها، مشيرًا إلى أن تجارًا من محافظات مختلفة يأتون بشكل دوري لشراء تلك الزجاجات.
محمد جميل، أحد أبرز تجار العطور، أوضح أن الظاهرة باتت واسعة الانتشار، وأن كثيرين يسألونه عن حقيقة هذه العطور، ويجيب دائمًا: «الزجاجة أصلية، لكن المحتوى سبيرتو وزيوت عطرية مختلفة الجودة».
ويضيف أن الزجاجة الأصلية تتميز بمواصفات عالمية يصعب تزويرها، مثل النقش بختم الشركة المصنعة وجودة الزجاج.
وفي هذا السياق، دعا جميل المواطنين إلى شراء العطور من المحلات الموثوقة أو الوكلاء الرسميين، محذرًا من إعادة استخدام الزجاجات الفارغة، إذ إن بقاءها يعيد تدويرها في عمليات الغش.
وبالمقابل، كشف تاجر آخر – فضّل عدم ذكر اسمه – أن تكلفة تعبئة الزجاجة الواحدة تتراوح بين 8 و12 دينارًا، بينما تُباع للمواطنين بأسعار بين 25 و40 دينارًا، ما يوضح حجم الأرباح التي يحققها هؤلاء المزورون.
تجارة إلكترونية علنية
في الآونة الأخيرة، انتشرت عبر صفحات التواصل الاجتماعي إعلانات لبيع وشراء الزجاجات الفارغة، بعضها بأسماء حقيقية وأخرى مجهولة، ما جعل العملية مألوفة ومتعارفًا عليها بين المواطنين.
هذه الإعلانات ساهمت في تحويل تجارة الزجاجات إلى نشاط علني، يسهّل على المزورين الحصول على المواد الأولية لعملياتهم.
وفي حال استمرار هذه الظاهرة دون ضبط، فإن مستقبل مئات المحلات العالمية مهدد بالإغلاق أو الانتقال إلى أسواق أخرى، وسط مخاوف من أن يتحول الغش إلى واقع يومي يهدد ثقة المستهلكين ويقوّض سمعة العلامات التجارية.
متابعة رسمية
مصدر مطّلع داخل مؤسسة المواصفات والمقاييس، أكد أن فرق الرقابة التابعة لمديرية مكافحة التقليد والتحقق والتبليغ داخل المؤسسة تعمل على مدار الساعة لمراقبة الأسواق وضمان جودة ومطابقة السلع التي تدخل المملكة عبر المنافذ الحدودية أو المصنّعة محليًا للمواصفات والمقاييس الأردنية.
ودعا المصدر المواطنين إلى عدم التعامل مع الجهات التي تبيع العطور المقلّدة، وضرورة العمل على إبلاغ المؤسسة عن تلك الجهات عبر هاتف الشكاوى والواتساب على الرقم (06/5301243)، أو من خلال منصة «بخدمتكم» وتطبيق «سند».
ولفت المصدر إلى أن استخدام عطور مقلّدة له تأثيرات سلبية على صحة الإنسان، كون تركيب العطور غير دقيق ومخالفًا للمواصفات.
وجدّد المصدر التأكيد أن الاعتداء على العلامة التجارية العالمية لأي منتج له آثار سلبية، لما في هذه السلعة من طبيعة كيميائية أو كهربائية أو خدماتية قد تؤذي صحة وسلامة مستخدمها، إضافة إلى أنه يسيء لسمعة المُنتج نفسه والاقتصاد الوطني.
ويُشار إلى أن المملكة ترتبط بالعديد من اتفاقيات الدفاع عن حقوق الملكية الفكرية، أهمها اتفاقية إنشاء المنظمة العالمية للملكية الفكرية (وايبو)، إضافة إلى اتفاقية برن لحماية المصنفات الأدبية والفنية، واتفاقية باريس لحماية الملكية الصناعية.
وأكد أن مؤسسة المواصفات والمقاييس مستمرة في حملاتها الرقابية في مختلف محافظات المملكة، بالتعاون مع الجهات المختصة، لمكافحة الغش والتقليد والتعدي على حقوق الملكية الفكرية، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين، بما يسهم في حماية المستهلك، وتعزيز المنافسة العادلة، وضمان تداول منتجات مطابقة للمواصفات القياسية والقواعد الفنية الأردنية في الأسواق.