حسابات دقيقة تتيح لواشنطن وتل أبيب إعادة ترتيب أوراقهما
تتجه الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تبني استراتيجية تقوم على «تجميد الوضع» في الجبهات الرئيسية الثلاث، إيران وغزة ولبنان، إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية وانتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، في خطوة تعكس حسابات سياسية وعسكرية ولوجستية دقيقة، وتتيح لواشنطن وتل أبيب إعادة ترتيب أوراقهما قبل اتخاذ قرارات جديدة بشأن مسار الصراع الإقليمي.
وكشف المحلل العسكري رون بن يشاي، في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، أن الإدارة الأميركية خلصت إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد خفضاً في مستوى النشاط السياسي والعسكري المباشر، مع الإبقاء على أدوات الضغط الاقتصادي، وذلك إلى حين تجاوز الاستحقاقات الانتخابية الحساسة في إسرائيل والولايات المتحدة.
وبحسب مصادر مطلعة، توصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفريقه إلى استنتاج مفاده أن المفاوضات مع النظام الإيراني لن تحقق نتائج عملية في المستقبل القريب.
ووصف ترامب هذا التوجه، في مقابلة مع الصحفي باراك رافيد من قناة «News 12»، بأنه «خفض مستوى الظهور»، في إشارة إلى تقليص الانخراط العلني والمباشر، مع استمرار الضغوط الاقتصادية من خلال العقوبات والحصار البحري على الموانئ الإيرانية.
ووفق التقديرات، قد تستمر هذه السياسة حتى ما بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي المقررة في 8 تشرين الثاني المقبل، وربما لفترة أطول، على أن تجري الإدارة الأميركية بعد ذلك تقييماً جديداً للوضع، بالتنسيق المحتمل مع الحكومة الإسرائيلية التي ستفرزها الانتخابات.
وتستند هذه المقاربة، وفق المحللين، إلى 4 اعتبارات رئيسية. أولها سياسي داخلي، إذ يسعى ترامب إلى الحفاظ على الأغلبية الجمهورية في مجلسي الكونغرس، في ظل عدم شعبية الحرب بين قطاعات من الأميركيين، فضلاً عن تأثير أسعار الوقود على خيارات الناخبين.
ويريد الرئيس الأميركي، وفق هذه الحسابات، تجاوز الأشهر المقبلة من دون عودة جنود أميركيين في توابيت، ومن دون أن يتجاوز سعر غالون البنزين 4 دولارات، بما قد ينعكس سلباً على الحزب الجمهوري في صناديق الاقتراع.
أما العامل الثاني فيرتبط بالموقف الإيراني، إذ توصلت واشنطن، بحسب التقديرات، إلى قناعة بأن القوى النافذة داخل الحرس الثوري الإيراني متمسكة بمواقفها التفاوضية، انطلاقاً من اعتقادها بأن الولايات المتحدة لا ترغب في ترجمة تهديداتها بالتصعيد العسكري إلى خطوات فعلية. وحتى شخصيات أميركية كانت من أبرز المؤيدين للمفاوضات، وبينها نائب الرئيس جيه. دي. فانس، خلصت، وفق هذه التقديرات، إلى أن فرص التوصل إلى اتفاق مع النظام الإيراني الحالي محدودة للغاية.
ويتمثل العامل الثالث في الوضع الاقتصادي الإيراني، حيث تسعى الولايات المتحدة، بناء على نصائح إسرائيلية، إلى إتاحة مزيد من الوقت أمام الضغوط الاقتصادية كي تؤثر في قدرة النظام على الاستمرار، بما قد يدفعه لاحقاً إلى مفاوضات أكثر مرونة، أو حتى يفتح الباب أمام تغييرات داخلية كبيرة. إلا أن التقديرات الإسرائيلية والأميركية تشير في المقابل إلى أن الصعوبات الاقتصادية لم تدفع الإيرانيين إلى احتجاجات واسعة، في ظل استمرار حالة الحرب، الأمر الذي ساهم في تعزيز الاصطفاف الداخلي حول الحكومة والتعامل مع المواجهة باعتبارها صراعاً وطنياً.
أما العامل الرابع، فيتعلق بإعادة بناء المخزون العسكري الأميركي والإسرائيلي، بعدما استنزفت العمليات العسكرية السابقة ضد إيران كميات كبيرة من الصواريخ الاعتراضية والهجومية. ويسعى البنتاغون إلى تسريع عمليات إنتاج هذه الصواريخ وإعادة تكوين المخزونات، تحسباً لاحتمال اتخاذ قرار بالتصعيد مجدداً ضد إيران.
ويبرز مضيق هرمز باعتباره الاستثناء الوحيد تقريباً من سياسة «التجميد»، إذ ستعمل الولايات المتحدة، وفق التقرير، على ضمان استمرار تدفق النفط والغاز من منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك من خلال التوصل إلى اتفاق بين إيران وسلطنة عُمان.
وتشارك واشنطن في هذه المفاوضات بصورة غير مباشرة، مع اشتراط عدم فرض إيران رسوماً على السفن التي تعبر المضيق.
ويرى تسفي برئيل، في صحيفة «هآرتس» العبرية، أن هذا الموقف يمثل تنازلاً أميركياً كبيراً، لأنه يتضمن اعترافاً ضمنياً بدور إيران في تنظيم الملاحة في المضيق ومنحها مساحة لوضع قواعد مرتبطة بحركة السفن.
لكن إيران تدرك، وفق برئيل، أن مضيق هرمز يمثل ورقة الضغط الأساسية المتبقية لديها، وقد أوضحت أن أي اتفاق بشأن إعادة فتحه لن يدخل حيز التنفيذ ما لم تتحقق مجموعة من الشروط، بينها انسحاب القوات الأميركية من المنطقة، ودفع تعويضات، ورفع العقوبات المفروضة على طهران. ويحذر برئيل من أن استمرار الحرب الاقتصادية قد لا يؤدي بالضرورة إلى إخضاع إيران، بل ربما يضع ترامب نفسه أمام مأزق سياسي واستراتيجي.
وفي قطاع غزة، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، في ظل وجود مسارين متوازيين يجري التعامل معهما في الوقت نفسه، المسار الأول يجري بتنسيق كامل بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ويتعلق بالاستعدادات لتنفيذ الخطوات التالية من خطة الرئيس ترامب الأصلية المؤلفة من 20 بنداً.
وتشمل الاستعدادات إنشاء حي سكني تجريبي في منطقة مفتوحة بين خان يونس ورفح، ينتقل إليه فلسطينيون لا يشاركون في القتال، وفق آلية فرز تهدف إلى التأكد من عدم ارتباطهم بحركة حماس، في وقت يعيش فيه نحو 2.3 مليون فلسطيني في القطاع ظروفاً إنسانية قاسية، مع تراجع كبير في مقومات الحياة الأساسية.
كما تشمل الخطة إنشاء معسكر لقوات أمن متعددة الجنسيات شمال رفح، لتكون هذه القوات مكلفة، وفق التصور المطروح، بالدخول إلى قطاع غزة والعمل على الفصل بين حماس والجيش الإسرائيلي.
وفي المقابل، يتمثل المسار الثاني في «خارطة الطريق» المؤلفة من 15 نقطة، التي أعلنها مجلس السلام برئاسة الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف، والتي تكشف عن خلاف جوهري بشأن آلية نزع سلاح حماس وانسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع.
ففي حين تشترط إسرائيل أن تبدأ عملية الانسحاب بعد نزع حماس جميع أسلحتها، يقترح ملادينوف تنفيذ عملية نزع السلاح بصورة تدريجية، منطقة تلو الأخرى، على أن يقابله انسحاب إسرائيلي تدريجي من المناطق التي يتم فيها تنفيذ الترتيبات الأمنية.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أوضح أن هذه الصيغة غير مقبولة بالنسبة لإسرائيل. ويرجح أن يكون ترامب مدركاً أن نتنياهو لا يستطيع تقديم مثل هذا التنازل قبل الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة، في ظل المنافسة السياسية الحادة داخل إسرائيل.
وبحسب مصادر أميركية نقل عنها موقع «أكسيوس»، قال مسؤول أميركي: «نحن نفهم احتياجات بيبي السياسية، ليس لدينا مشكلة في ذلك طالما أنه يواصل القيام بما نطلب منه، خاصة فيما يتعلق بكبح الهجمات في غزة».
وفي الجبهة اللبنانية، تشير المعطيات إلى أن الساحة ستبقى هي الأخرى ضمن سياق التجميد الإقليمي العام، مع عدم توقع حدوث تحولات جوهرية قبل اتضاح نتائج الانتخابات في إسرائيل والولايات المتحدة.
ويشير التقرير إلى أنه «من المعقول جداً افتراض أنه حتى ما بعد الانتخابات في إسرائيل، وانتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، لن تكون هناك تحولات حقيقية في الساحة الإيرانية، وفي ساحة غزة، وفي الساحة اللبنانية».
وبذلك، تتبلور أمام المنطقة ملامح مرحلة يمكن وصفها بـ'الحرب الباردة» الإقليمية، حيث يجري تجميد التحركات الكبرى على الجبهات الثلاث، في انتظار تجاوز الاستحقاقات الانتخابية في إسرائيل والولايات المتحدة، وما ستفرزه من موازين سياسية جديدة قادرة على تحديد مسار المرحلة التالية.
وتشير مجمل هذه المعطيات إلى أن الضغوط السياسية الداخلية في الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى جانب الموقف الإيراني والحاجة إلى إعادة بناء القدرات العسكرية، دفعت إدارة ترامب إلى اعتماد سياسة تقوم على إدارة الصراع بدلاً من توسيعه في المرحلة الحالية، مع إبقاء خيارات التصعيد مفتوحة.
وفي الوقت ذاته، يبقى مضيق هرمز الاستثناء الأبرز، في ظل استمرار المساعي الدبلوماسية لمنع انهيار حركة الملاحة والطاقة في المنطقة، بينما تواصل إسرائيل، وفق التقديرات، التزام الصمت وانتظار نتائج صناديق الاقتراع في إسرائيل والولايات المتحدة، قبل أن تتضح ملامح القرار السياسي والأمني للمرحلة المقبلة.