كتاب

العراق يتنفس من الأردن

العراق يتنفس من الأردن الآن، في توصيف دقيق لدور 'ميناء العقبة' والحدود الأردنية في تأمين السلع الأساسية وغيرها من السلع التي يحتاجها 'السوق والاقتصاد والمواطن' العراقي، وسط كل هذه التطورات الإقليمية واختبارات الملاحة الصعبة في 'مضيق هرمز'، الذي كان متنفس الميناء العراقي الوحيد، فلماذا يقوم الأردن بهذا الدور؟
العقبة تجاوزت مفهومها التقليدي كميناء، بل أصبحت منفذاً للحياة، حيث تشير الأرقام الرسمية إلى قفز حاويات الترانزيت نحو العراق بأكثر من تسعة أضعاف خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، وارتفاع حركة الشاحنات عبر معبر طريبيل بأكثر من 131%، بينما ارتفع عدد 'الشاحنات الخارجة' من الأردن باتجاه العراق بنحو 149%، وهذه المؤشرات تؤكد أن التجارة العراقية وجدت في الممر الأردني بديلاً أكثر أماناً.
الأمر هنا لا يتعلق بسلع كمالية يمكن تأجيلها، بل بـ'مواد استراتيجية' تمس الأمن الغذائي مباشرة، كالقمح والشعير والذرة والصويا، كما أن انسيابية هذه البضائع وسرعة تخليصها عبر العقبة شكلتا مساهمة أردنية حقيقية في استقرار السوق العراقية، وحمايتها من شبح نقص السلع وارتفاع الأسعار بشكل جنوني بسبب كلف النقل والأسعار.
الحقيقة تقول إنه في أوقات الأزمات، لا يُقاس وزن الميناء بحجم الحاويات وحدها، بل بقدرته على إبقاء الأسواق متوازنة ومفتوحة عندما تضطرب 'الطرق البديلة'، وبتفاصيل هذا المشهد، يتكشف حجم التنسيق و'الجهد المؤسسي' الذي تبذله الأردن لتذليل كافة العقبات أمام نقل البضائع في اتجاه العراق، فالتعاون المستمر بين القطاعين الرسمي والخاص في البلدين أسس لبيئة لوجستية قادرة على استيعاب هذه التدفقات الاستثنائية.
ما يقوم به الأردن عبر 'منافذه البرية والبحرية' تجاه العراق ليس وليد اللحظة أو صدفة، ففي سنوات 'الحصار الطويلة' كان الأردن الباب الأهم الذي عبرت منه احتياجات العراقيين، واليوم تعيد الجغرافيا والتاريخ تأكيد ذات الحقيقة، ليتحول الحدود من 'خطوط فاصلة' بين دولتين إلى شرايين تنبض بالحياة وتصل بين اقتصادين شقيقين ومصير واحد.
وهنا تكمن قيمة 'التكامل الحقيقي' الذي يثبت يوماً بعد يوم أن أمن واستقرار البلدين كلٌّ لا يتجزأ؛ فالعراق بقوته وامتداده يشكل 'عمقاً استراتيجياً' للأردن، والأردن بسنده للأخوة يضع كل إمكانياته ليكون سنداً وعضداً لشقيقه في كل الظروف.
خلاصة القول، العراق اليوم بحاجة إلى عمقه، والأردن كعادته أثبت حضوره ومسؤوليته حين أغلقت الطرق الأخرى وبقي شريانه سالكاً وآمناً، ما يجعل من هذا التناغم ليس مجرد مصلحة تجارية، بل هو ثمرة علاقة أخوية راسخة أثبتت الأيام أنها أكبر من كل التحديات وأصلب من كل عواصف الإقليم.