كتاب

تطور مسار الوظيفة العامة

لم تعد الوظيفة العامة في الأردن كما عهدناها لسنوات طويلة فمضي السنوات والأقدمية في التعيين انتفت قدرتهما على أن يكونا معيارين لاستحقاق شاغر وظيفي في القطاع العام أو طريقاً للترقية الوظيفية الاعتيادية بالحصول على المناصب الاشرافية والقيادية وذلك مع طي صفحة نظام الخدمة المدنية رقم 9 لسنة 2020 والانتقال لمظلة نظام إدارة الموارد البشرية رقم 33 لسنة 2024 وتعديلاته، حيث أزاح هذا التشريع الستار عن مفهوم جديد كلياً للأمان الوظيفي، أمان لا يكتسب بطول الخدمة المدنية بل يفرض بالكفاءة والجدارة والمنجزات الملموسة على أرض الواقع.
وعلى الصعيد التشريعي أحدث هذا النظام الجديد انعطافاً هائلاً ونقلة نوعية في القواعد الناظمة للوظيفة العامة مُكرساً ضوابط تنظيمية يتعذر إغفال أثرها المباشر في إصلاح القطاع الحكومي فقد تجلى الاصلاح التشريعي في إعادة ضبط الأحكام الناظمة للاستقطاب والتعيين بالتخلي عن نهج قوائم الدور التنافسي التقليدي الجامدة إلى نظام الإعلان المفتوح بما يكفل تطبيق المبدأ الدستوري المستقر القاضي بالمساواة وتكافؤ الفرص واستقطاب الكفاءات بمعزل عن قوائم الانتظار سنداً لنص المادة 22 من الدستور الأردني والمادة 12 من نظام إدارة الموارد البشرية وامتداداً لهذا التوجه فقد تم أيضاً إعادة تأطير الأحكام الناظمة للترقية والترفيع عبر ربطها بإجتياز اختبارات ومقابلات لتقييم القدرات بدلاً من الترقية التلقائية المرتكزة فقط على الأقدمية المقطوعة وسنوات الخدمة سنداً لنص المادة 42 من نظام إدارة الموارد البشرية محققاً بذلك مكسباً للوظيفة العامة كونه يرسخ بيئة وظيفية تحفز الموظف المتميز وتكفل وصوله إلى المناصب الاشرافية والقيادية استناداً إلى الاستحقاق والجدارة والجاهزية الإدارية.
غير أن القراءة المستفيضة بهذا النظام تشير إلى أنه وفي خضّم هذه الإصلاحات التنظيمية يتجلى عائق تشريعي أثار جدلاً واسعاً في الوسط الوظيفي والمتبلور في إلغاء القواعد الناظمة لتعديل الوضع الوظيفي للذين حصلوا على مؤهلات علمية جديدة خلال مسارهم الوظيفي حيث قيد النظام الجديد الدرجة العلمية المستحدثة بأن لا ينبثق عنها أي استحقاقات مالية أو إدارية إلا في حال طرح إعلان تنافسي لوظيفة حكومية تشترط ذلك المؤهل والتنافس عليها من جديد.
فإغلاق باب تعديل الوضع الوظيفي عند الحصول على شهادة أكاديمية مستحدثة بصورة مطلقة بلا ضوابط يعد إجراءً محبطاً لطاقات الموظف العام ومثبطاً لدوافع ارتقائه ولمساعيه الأكاديمية فالأصل في التشريعات الناظمة تحفيز العلم والاستثمار في الموارد البشرية كون الموظف الذي ينفق من ماله الخاص ويكرس جهده الشخصي للارتقاء بتحصيله الأكاديمي خارج أوقات العمل يعد مكسباً حقيقياً للمرفق العام الذي يعمل به.
ومن الأهمية بمكان الالتفات إلى أثر الوضع الجديد للموظف للعام لا سيما أن إلغاء هذا النهج التحفيزي يفرغ أروقة المرافق العامة من الموظفين الشغوفين ويشجع على الركود المعرفي بدلاً من التطور المستدام.
وتأسيساً على ذلك فالمسلك القويم لهذا الإشكال التشريعي لا يكمن في الإلغاء المطلق أو الارتداد إلى الممارسات غير المنضبطة سابقاً بقدر ما يقتضي لتبني مخرج تشريعي متوازن يتيح مجدداً إمكانية تعديل الوضع الوظيفي وفق معايير حوكمة صارمة تضمن الجدية والاستحقاق الفعلي وتتجسد هذه المعايير في اعتماد شروط صارمة لاعتماد هذه الشهادة وفي طليعتها صدور هذه الشهادة عن مؤسسة أكاديمية ذات تصنيف علمي مرتفع للحد من الشهادات الشكلية و اشتراط الحصول على تقدير أكاديمي مرتفع لضمان الجدية الأكاديمية والاستحقاق العلمي علاوة على ذلك اشتراط الارتباط الوثيق بين الشهادة العلمية وطبيعة عمل الدائرة التي يعمل بها مع تقرير صلاحية هيئة الخدمة والإدارة العامة في إخضاع الموظف لاختبار تقييم كفاية للتثبت من مخرجات هذا التحصيل العلمي.