ينتظر الطالب محمد الفايز نتيجته وهو يحمل في ذهنه أكثر من سؤال هل سيسمح له معدله بدراسة التخصص الذي يرغب فيه؟ وهل سيكون هذا التخصص قادرًا على تأمين فرصة عمل بعد سنوات؟ وبين رغبته الشخصية ونصيحة أسرته وحسابات المستقبل، يحاول أن يوازن بين ما يريده اليوم وما قد يحتاج إليه غدًا.
ويقول الفايز إن لديه تخصصًا يرغب في دراسته منذ فترة، لكنه ينتظر النتيجة لمعرفة ما إذا كان معدله يؤهله لدخوله، مشيرًا إلى أنه يفكر في فرص العمل حتى لا يتخرج ويجد نفسه أمام خيارات محدودة.
ويضيف أن رأي الأسرة مهم بالنسبة إليه، لكنه يحاول الموازنة بين رغبته الشخصية ومستقبل التخصص.
أما الطالب سلطان المهيرات، فلا يزال أمام سؤال مختلف؛ فهو لم يحسم التخصص الذي يريد دراسته. ويقول إن القلق بالنسبة إليه لا يرتبط بالنتيجة وحدها، وإنما بما سيأتي بعدها، خصوصًا مع تعدد النصائح التي يسمعها من المحيطين به.
ويشير إلى أن مقارنة معدلات الزملاء واختياراتهم وخططهم المستقبلية تزيد من حيرته، لتتحول مرحلة يفترض أن تكون بداية الطريق الجامعي إلى مساحة من القلق والضغط.
ولا يقتصر هذا القلق على الطلبة، إذ تجد الأسر نفسها أمام سلسلة من القرارات تبدأ بالمعدل والتخصص والجامعة، ولا تنتهي بالكلفة وفرص العمل.
ويقول ولي الأمر محمد عبدالله إن الأسرة تحاول معرفة التخصص المناسب لابنها، وكلفته، وفرص العمل فيه، مؤكدًا أن التفكير في المستقبل لا يعني بالضرورة فرض تخصص معين على الطالب.
المعدّل رقم يسبق القرار
ما إن تنتهي امتحانات الثانوية العامة حتى تبدأ مرحلة أخرى من الانتظار والحسابات؛ نتيجة قد تحدد بعض الخيارات، وتوقعات الأسرة، ومقارنة المعدلات، ثم البحث عن تخصص وجامعة ومسار مهني يمكن البناء عليه.
وترى أستاذة التربية الخاصة ومديرة مركز الإرشاد والخدمات النفسية في جامعة الشرق الأوسط، الدكتورة أماني دغلس، في تصريح إلى "الرأي"، أن انتظار نتائج التوجيهي يشكل ضغطًا نفسيًا على الطلبة والأسر، بعد فترة طويلة من الدراسة والاجتهاد وانتظار نتيجة يعتقد الطالب أنها ستحدد قدرته على الوصول إلى التخصص الذي يريده.
وتوضح أن الضغط قد يظهر في صورة تفكير زائد ولوم للذات وشعور بالذنب تجاه الأسرة، إلى جانب تغيرات في الشهية وأعراض جسدية مثل الصداع وآلام المعدة وتسارع التنفس والنبض، مشيرة إلى أن توتر الأسرة قد ينعكس بدوره على الطالب.
وترى دغلس أن طريقة تعامل الأسرة مع النتيجة تؤدي دورًا أساسيًا؛ فالمطلوب تهيئة الطالب نفسيًا لاستقبال النتيجة مهما كانت، لا تحويلها إلى حكم على قدراته أو قيمته.
حين يصبح حلم الطالب قرارًا عائليًا
وبمجرد ظهور النتائج، ينتقل القلق من "كم جبت؟" إلى "ماذا سأدرس؟"، وهنا قد تتداخل رغبة الطالب مع طموحات الأسرة ونظرتها إلى مكانة التخصص.
وتؤكد دغلس أن للأهل دورًا مهمًا في توجيه أبنائهم، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التوجيه إلى فرض، خصوصًا إذا اختير التخصص بناءً على رغبة الأسرة أو مكانته الاجتماعية، بعيدًا عن ميول الطالب وقدراته.
وتشير إلى أن بعض الأسر تدفع أبناءها نحو تخصصات كالطب والهندسة والصيدلة، أحيانًا رغبة في المكانة الاجتماعية أو في الحصول على لقب مهني معين، بينما قد لا يكون التخصص متوافقًا مع قدرات الطالب أو اهتماماته.
وتحذر من أن إجبار الطالب على تخصص لا يرغب فيه قد يفقده الدافعية والشغف، ويؤثر في تحصيله الأكاديمي، وقد يدفعه إلى تغيير التخصص أو الانسحاب منه. كما قد يمتد الأثر إلى حياته المهنية عندما يعمل في مجال لا يرغب فيه، فضلًا عن انعكاس ذلك على علاقته بأسرته.
ابتعدوا عن المقارنات
ولا يتوقف الضغط عند اختيار التخصص، إذ يمكن أن يتحول معدل الطالب إلى مادة للمقارنة داخل العائلة والمحيط الاجتماعي.
وتحذر دغلس من عبارات مثل " ابن عمك جاب أعلى منك» أو «بنت صاحبتنا جابت معدل أفضل"، مؤكدة أن لكل طالب قدراته وظروفه واستعداداته، وأن المقارنة الأفضل تكون مع أداء الطالب نفسه لا مع الآخرين.
وترى أن المقارنة المستمرة قد تضعف ثقة الطالب بنفسه وتقديره لذاته، وتجعله يشعر بأنه مقصر مهما كان الجهد الذي بذله.
ماذا ينتظر الطالب بعد أربع سنوات؟
لكن قرار التخصص لا يمكن أن يبقى محصورًا في الرغبة أو المعدل؛ فهناك سؤال أكثر إلحاحًا بالنسبة إلى كثير من الطلبة والأسر: ماذا سيكون مصير هذا التخصص عند التخرج؟
ويرى الخبير في العمل والعمال ومدير مركز الفينيق للدراسات الاجتماعية والاقتصادية، أحمد عوض، في حديث إلى "الرأي"، أن هناك فجوة بين التخصصات التي يقبل عليها كثير من الطلبة واحتياجات سوق العمل الأردني، مع استمرار الإقبال على تخصصات تقليدية رغم محدودية فرص العمل فيها.
ويشير إلى تنامي الطلب على مجالات التكنولوجيا والتحول الرقمي وتحليل البيانات والأمن السيبراني والبرمجيات والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تخصصات تقنية وتطبيقية مرتبطة بالصناعة والطاقة والمياه والصيانة والأتمتة، وبعض المجالات الصحية والتمريضية واللوجستية والسياحية والمهنية.
وفي المقابل، تعاني تخصصات تقليدية من التشبع نتيجة ارتفاع أعداد الخريجين مقارنة بالوظائف المتاحة.
و يحذر عوض من اختيار التخصص بناءً على الطلب الحالي فقط، لأن سوق العمل قد يتغير خلال سنوات الدراسة، داعيًا إلى اختيار تخصص يمتلك قابلية للتطور، ويتيح للطالب اكتساب مهارات جديدة والانتقال بين أكثر من وظيفة أو قطاع.
ويؤكد أن القرار الأفضل يقوم على التوازن بين ميول الطالب وقدراته واحتياجات سوق العمل والاتجاهات المستقبلية للاقتصاد والتكنولوجيا.
عندما لا يأتي المعدّل كما كان متوقعًا
وقد يجد الطالب نفسه أمام نتيجة لا تتوافق مع توقعاته أو لا تؤهله للتخصص الذي كان يطمح إليه، وهنا يبدأ تحدٍ آخر: كيف يتعامل مع خيبة الأمل دون أن يعتبرها نهاية الطريق؟
وتؤكد دغلس أن البداية تكون بتقبل النتيجة والمشاعر المرتبطة بها، بدل الوقوع في جلد الذات أو التفكير بأن المستقبل انتهى بسبب عدم الوصول إلى خيار واحد.
وتدعو إلى النظر في الخيارات المتاحة، والاستعانة بالمختصين في الإرشاد الأكاديمي والمهني، والبحث عن تخصصات قريبة من ميول الطالب وقدراته أو مجالات أخرى يمكن أن توفر فرصًا في سوق العمل.
وتشدد على الانتقال من سؤال "ماذا خسرت؟" إلى "ماذا أستطيع أن أفعل الآن؟"، ووضع أهداف واقعية تتناسب مع القدرات والإمكانات.
ومن جانبه، يرى أستاذ علم الاجتماع التنموي الدكتور حسين الخزاعي، في حديث إلى "الرأي"، أن مرحلة ما قبل إعلان النتائج تكون مصحوبة بالقلق والخوف والتوتر، داعيًا الأهل إلى عدم تحميل أبنائهم توقعات تفوق قدراتهم.
ويدعو الطلبة إلى التعامل مع النتائج بواقعية والاستفادة من التجربة والانطلاق نحو المستقبل بثقة، مؤكدًا أن النتيجة لا ينبغي أن تتحول إلى حكم نهائي على مستقبلهم.
ويوجه الخزاعي رسالته للأسر بالقول إن الأبناء يجب أن يُعاملوا" كإنسان وليس كرقم".
الشهادة تفتح الباب والمهارة تحدد الطريق
ولا ينتهي التحدي عند اختيار التخصص أو الحصول على الشهادة، إذ يؤكد عوض أن الشهادة الجامعية ما تزال مهمة، لكنها لم تعد كافية وحدها لدخول سوق العمل.
ويشير إلى أهمية المهارات والخبرة العملية، مثل استخدام التكنولوجيا وأدوات الذكاء الاصطناعي، وإتقان اللغات، والتواصل والعمل الجماعي والتحليل وحل المشكلات.
ويرى أن التعليم يجب ألا يتوقف عند الشهادة، بل ينبغي للطلبة أن يستثمروا باستمرار في تطوير مهاراتهم، لأن سوق العمل المستقبلي سيكافئ القادرين على التعلم والتكيف.
كما يدعو الأسر إلى عدم النظر إلى الجامعة باعتبارها الطريق الوحيد للنجاح، وعدم ربط قيمة التخصص بمكانته الاجتماعية، مشيرًا إلى أن التعليم المهني والتقني قد يوفر في بعض المجالات فرصًا أفضل من تخصصات جامعية مشبعة.
القراربين الرغبة والمعلومة
في نهاية المطاف، لا تبدو معادلة ما بعد التوجيهي قائمة على اختيار «التخصص الأفضل» بصورة مطلقة، بل على اختيار المسار الأكثر ملاءمة للطالب وظروفه وقدراته.
وترى دغلس أن دور الأسرة يجب أن يقوم على الحوار والتوجيه، من خلال التعرف إلى ميول الطالب وقدراته ومناقشة الخيارات معه، بدل اتخاذ القرار بالنيابة عنه.
ويؤكد عوض أهمية أن يدرس الطالب خياراته من أكثر من زاوية: ميوله وقدراته، وواقع سوق العمل، والاتجاهات المستقبلية، وإمكانات الأسرة، مع إدراك أن المسار المهني ليس قرارًا جامدًا، بل يمكن تطويره وتغيير اتجاهه مع اكتساب الخبرة والمهارات.
وهكذا، يبدأ ما بعد التوجيهي من رقم، لكنه لا يجب أن ينتهي عنده. فالمعدل قد يفتح بابًا أو يغلق آخر، لكنه لا يختصر قدرات الطالب ولا يرسم وحده مستقبله.