كتاب

الشرق الأوسط بعد المواجهة الأمريكية–الإيرانية.. ماذا تغير؟

دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة بعد شهور من المواجهة الأمريكية–الإيرانية، وهي مرحلة تبدو مختلفة في حساباتها السياسية والأمنية والاقتصادية عن البيئة التي سبقت اندلاع الحرب، فقد كشفت المواجهة حدود القوة العسكرية في فرض النتائج السياسية، وأعادت ترتيب أولويات دول المنطقة، ودفعت عواصم عربية إلى إعادة النظر في مفهوم الأمن الإقليمي، فيما تحولت الممرات البحرية والطاقة وسلاسل الإمداد إلى عناصر مركزية في الصراع.
المشهد الراهن لا يشير إلى نهاية الصراع، وإنما إلى انتقاله من مرحلة الضربات المباشرة إلى مرحلة اختبار موازين القوة وشروط التسوية، وتظهر المفاوضات المتعلقة بإعادة فتح مضيق هرمز مؤشرات على محاولة احتواء أحد أخطر تداعيات الحرب، في وقت ما تزال فيه شروط التسوية موضع تفاوض بين واشنطن وطهران.
أبرز التحولات يتمثل في تغير مفهوم القوة الإيرانية، فقد أظهرت الحرب قدرة طهران على تحمل الضغوط العسكرية، واستخدام أدوات متعددة لرفع كلفة المواجهة، من الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى الضغط على حركة الملاحة، وفي المقابل، كشفت المواجهة أن القدرة على إلحاق الضرر بالخصم لا تعني بالضرورة القدرة على تحقيق أهداف سياسية مستدامة، ولذلك تبدو إيران أمام معادلة جديدة تقوم على إعادة بناء الردع، والحفاظ على النفوذ، والبحث عن مساحة تفاوضية تسمح لها بالخروج من الحرب بأقل الخسائر الاستراتيجية.
أما في الجانب الأمريكي فقد برزت معضلة مختلفة، حيث أظهرت الحرب قدرة الولايات المتحدة على توجيه ضربات واسعة وموجعة، لكنها كشفت في الوقت ذاته كلفة الحرب الطويلة، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، في ضوء النقاش المتواصل داخل الإدارة الأمريكية حول كيفية إنهاء الحرب وشكل التسوية الممكنة مع طهران.
وفي الواقع، إن هذا التطور يحمل دلالة مهمة مفادها أن القوة الأمريكية ما تزال عاملاً حاسماً في أمن المنطقة، لكن إدارة الإقليم أصبحت أكثر تعقيداً، لأن الحسم العسكري يحتاج إلى ترتيبات سياسية واقتصادية وأمنية تستطيع الصمود بعد توقف العمليات.
التحول الثالث يتعلق بدول الخليج العربي، حيث دفعت الحرب هذه الدول إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، وتنويع شراكاتها، والتفكير في أمنها باعتباره منظومة مستقلة نسبياً عن مسارات الصراع بين واشنطن وطهران، ويكتسب الاتفاق الدفاعي الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان، الذي أُعلن عنه في مكة في 7 آب، أهمية خاصة ضمن هذا السياق، لأنه يعكس اتجاهاً نحو بناء شبكات أمنية إقليمية متعددة المستويات.
المعادلة الجديدة تعني أن دول المنطقة ستبحث بصورة أكبر عن تعدد الشركاء، وعن بناء قدرات وطنية وإقليمية تمنحها هامشاً أوسع في مواجهة الأزمات، وهذا المسار قد يؤدي خلال السنوات المقبلة إلى ظهور ترتيبات أمنية جديدة، لا تقوم على تحالف واحد، وإنما على شبكة من الشراكات المتقاطعة.
أما مضيق هرمز، فقد أصبح أحد أبرز رموز التحول في المشهد الإقليمي، فالمضيق يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية، ولذلك فإن تعطيل الملاحة فيه ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة والتأمين والشحن وسلاسل التوريد، وتقدر مصادر برلمانية بريطانية أن نحو 20% من تدفقات النفط العالمية تمر عبر المضيق، ومن هنا، فإن المعركة حول 'هرمز' جعلت حرية الملاحة قضية أمن اقتصادي عالمي، فيما تحاول دول المنطقة تطوير بدائل وممرات قادرة على تخفيف اعتمادها على نقاط الاختناق البحرية.
وتبرز في هذا السياق أهمية البحر الأحمر وقناة السويس والموانئ الخليجية والممرات البرية التي تربط الخليج بالعراق والأردن وبلاد الشام. ومع استمرار المخاطر في 'هرمز' والبحر الأحمر، ستزداد قيمة الدول التي تمتلك القدرة على توفير طرق بديلة وآمنة للتجارة والطاقة.
من هنا يظهر دور الأردن الذي يقع عند تقاطع جغرافي يربط دول الخليج بالعراق وسوريا وفلسطين والبحر الأحمر؛ ما يجعل أي تحول في خرائط الأمن والطاقة والتجارة ذا انعكاس مباشر على مصالحها الوطنية، وقد أكدت المواجهة الأمريكية–الإيرانية أن تداعيات الصراعات الإقليمية لا تتوقف عند حدود أطرافها، وإنما تمتد إلى الدول الواقعة في محيطها الجغرافي؛ الأمر الذي يفرض على الأردن تعزيز قدرته على حماية مجاله الجوي وحدوده، ورفع جاهزيته للتعامل مع المتغيرات الأمنية، وتأمين مسارات الطاقة والتجارة، مع توسيع خياراته الاقتصادية واللوجستية بما يعزز قدرته على المناورة في إقليم سريع التحول.
وفي المقابل، تمنح التحولات الإقليمية الأردن فرصاً اقتصادية مهمة، إذ كلما ازدادت الحاجة إلى الممرات البرية البديلة، والخدمات اللوجستية، ومراكز التخزين والنقل، ارتفعت القيمة الاستراتيجية لموقع المملكة، وهنا تلتقي اعتبارات الأمن الاقتصادي مع مشاريع التحديث الاقتصادي، بحيث يصبح تطوير البنية التحتية والنقل والطاقة والموانئ جزءاً من استراتيجية وطنية للتعامل مع الإقليم الجديد.
التحول الآخر يتعلق بإسرائيل، حيث أظهرت الحرب مع إيران أن البيئة الأمنية الإسرائيلية أصبحت مرتبطة بصورة أوسع بالتفاعلات الإقليمية، وأن الجبهة الإيرانية لا تنفصل عن ملفات غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن، كما أن استمرار التوتر في هذه الساحات يعني أن أي تسوية أمريكية-إيرانية ستحتاج إلى معالجة شبكة واسعة من الملفات، وليس العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران وحدها.
وهنا تظهر القضية الفلسطينية باعتبارها أحد الاختبارات الأساسية للمرحلة المقبلة، فإذا انتهت المواجهة الأمريكية-الإيرانية إلى ترتيبات أمنية جديدة، فإن تجاهل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي سيبقى أحد أهم مصادر عدم الاستقرار في المنطقة، أما إدخال القضية الفلسطينية ضمن منظومة التسويات الإقليمية، فقد يفتح المجال أمام إعادة بناء المسار السياسي على أساس الدولة الفلسطينية والأمن الإقليمي والتنمية الاقتصادية.
كل ما سبق يؤكد أن الشرق الأوسط سيكون بعد الخروج من هذه الحرب أكثر تعددية في مراكز القوة، وأكثر حساسية تجاه أمن الطاقة والممرات البحرية، وأكثر اهتماماً ببناء القدرات الذاتية، وستصبح الدول التي تجمع بين الاستقرار السياسي والموقع الجغرافي والبنية التحتية والقدرة على التواصل مع القوى المختلفة أكثر قدرة على حماية مصالحها.
في المحصلة، يمكن القول إن المواجهة الأمريكية-الإيرانية غيّرت الكثير من قواعد اللعبة، لكنها لم تحسم شكل النظام الإقليمي الجديد، فالمعادلة المقبلة ستتحدد وفق قدرة الأطراف على تحويل نتائج الحرب إلى ترتيبات سياسية وأمنية واقتصادية قابلة للاستمرار، ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة لن يكون من انتصر عسكرياً؟ وإنما: من يستطيع تحويل نتائج الحرب إلى نفوذ سياسي واقتصادي مستدام؟