كتاب

المشكلة ليست بالبنزين

منذ أن بدأت شكاوى المواطنين تتحدث عن ارتفاع استهلاك البنزين، بدأنا نبحث عن تفسير خارج المعادلة الحقيقية، فذهب البعض مباشرة إلى الحديث عن 'التبخر' و'التلاعب'، وكأن ارتفاع أسعار المحروقات لا علاقة له بما نستهلكه يوميا، وكأن المطلوب أن تبقى طريقة استخدامنا لسياراتنا كما كانت قبل ارتفاع الأسعار، ثم لا نشعر بأي فرق في جيوبنا، فاي انفصام هذا؟.

نعم، من حق المواطن أن يشتكي، ومن واجب الجهات الرقابية أن تتحقق، ومن يثبت تلاعبه يجب أن يحاسب، وهذا أمر لا نقاش فيه، لكن في المقابل علينا أن نكون 'أكثر واقعية'بقراءة المسألة، وأن نعترف بحقيقة بسيطة تقول إن ارتفاع سعر البنزين يفترض أن يرافقه تغير بنمط استهلاكه، وإلا فإن المواطن سيشعر بالفرق حتما، وربما بفرق كبير.

الواقع يقول: إذا ارتفع سعر لتر البنزين وبقي المواطن يستخدم سيارته بالوتيرة نفسها، ويقطع المسافات نفسها، ويذهب إلى المشاوير نفسها، ويستهلك الكمية نفسها من الوقود، فمن الطبيعي أن ترتفع فاتورته، وليس من المنطقي أن نقول إن البنزين أصبح ينفد بسرعة أكبر من دون أن نسأل، هل نحن نستهلك الكمية نفسها فعلا، أم أننا ببساطة ندفع اليوم سعرا أعلى مقابل الاستهلاك نفسه؟.

المشكلة أننا نريد أن ترتفع أسعار المحروقات، لكننا لا نريد أن يتغير سلوكنا معها، نريد أن نبقي عدد الرحلات كما هو، والمسافات كما هي، واستخدام السيارة كما هو، ثم نتفاجأ عندما ترتفع فاتورة البنزين، وهنا يجب أن نعيد النظر في المعادلة من أساسها، لأن ارتفاع أسعار المحروقات لا يعني فقط أن اللتر أصبح أغلى، بل يعني أن كل كيلومتر تقطعه السيارة أصبح أكثر كلفة.

نعم أرجوكم راقبوا المحطات، وافحصوا البنزين، وحاسبوا كل من يثبت تلاعبه، فهذا حق المواطن وواجب الجهات الرقابية، لكن في الوقت نفسه علينا أن نكون أكثر صراحة مع أنفسنا، وأن نعترف بأن المشكلة في جانب كبير منها ليست أن البنزين يتبخر أو أن هناك من يعبث به، وإنما أننا ما زلنا نستهلكه بالطريقة نفسها رغم أن سعره لم يعد كما كان.

خلاصة القول، نحن بحاجة إلى أن نعيد حساباتنا، أن نقلل الرحلات غير الضرورية، أن نجمع أكثر من مشوار في رحلة واحدة، وأن ننتبه إلى المسافة التي نقطعها يومياً، لأن مواجهة ارتفاع كلفة المحروقات لا تكون فقط بمراقبة المحطات، وإنما تبدأ أيضاً من المستهلك نفسه، فلا يمكن أن ترتفع الأسعار ونبقي الاستهلاك على الوتيرة ذاتها ثم نبحث عن سبب آخر لارتفاع الفاتورة.