حين يحصل طالبان على المعدل نفسه في الثانوية العامة، قد يبدو للوهلة الأولى أنهما وصلا إلى النتيجة ذاتها بقدرات متقاربة، لكن ما لا يظهر في كشف العلامات هو الطريق الذي سلكه كل منهما للوصول إلى هذا المعدل، أحدهما ربما درس في مدرسة توفر مختبرات حديثة وصفوفا محدودة العدد وتعليما مكثفا باللغة الإنجليزية ومتابعة مستمرة، بينما درس الآخر في مدرسة تعاني من اكتظاظ الصفوف ومحدودية الموارد واعتمد بدرجة أكبر على الكتاب المدرسي والمعلم وجهده الشخصي، هنا يصبح السؤال أكثر تعقيدا، هل يقيس المعدل قدرة الطالب فقط، أم يقيس أيضا الفرص التعليمية التي كانت متاحة له؟
هذه المسألة ترتبط بما يعرف بالرأسمال الثقافي، وهو ما يحمله الطالب معه من لغة ومعرفة ومهارات وعادات دراسية وطرق في التفكير والتعبير والتعامل مع المعرفة، فالطالب لا يدخل المدرسة أو الجامعة منفصلا عن أسرته وبيئته السابقة، بل يحمل معه حصيلة سنوات من التعلم والتفاعل، وقد تكون هذه الحصيلة قريبة جدا من المتطلبات التي تكافئها المؤسسة التعليمية، وقد تكون بعيدة عنها، لذلك فإن التفاوت بين الطلبة لا يبدأ بالضرورة داخل قاعة المحاضرة الجامعية، بل قد يكون قد بدأ قبل ذلك بسنوات.
في الأردن تبدو هذه الفكرة واضحة عند النظر إلى اختلاف البيئات المدرسية، فالطالب الذي اعتاد منذ سنوات على إعداد العروض وقراءة النصوص الإنجليزية والبحث عن المعلومات ومناقشة المعلم وكتابة التقارير يصل إلى الجامعة وهو يعرف مسبقا جزءا من قواعد العمل الأكاديمي، وفي المقابل قد يصل طالب آخر بمعدل مرتفع وقدرة علمية جيدة لكنه يواجه للمرة الأولى متطلبات البحث والكتابة الأكاديمية والعروض والمراجع الأجنبية، والجامعة هنا لا تستقبل طالبين يختلفان في القدرة بالضرورة، بل طالبين حصلا على إعداد سابق مختلف.
المشكلة أن نظام القبول يرى النتيجة أكثر مما يرى الظروف التي صنعتها، فالمعدل رقم واضح يمكن استخدامه للمفاضلة، لكنه لا يخبرنا بعدد الطلبة في الصف ولا بمستوى الدعم الذي حصل عليه الطالب ولا بقدرته على الوصول إلى الدروس والكتب والتقنيات والمختبرات ولا بحجم المساعدة التي وجدها داخل أسرته، ولهذا قد تبدو المنافسة متساوية من حيث القواعد بينما تكون نقطة البداية مختلفة.
ثم تنتقل المسألة من بوابة القبول إلى داخل الجامعة، ففي الأسابيع الأولى تحديدا تبدأ الفروق بالظهور، طالب يعرف كيف يبحث عن مرجع ويكتب تقريرا ويقدم عرضا ويتعامل مع منصة إلكترونية ويقرأ مادة علمية باللغة الإنجليزية، وطالب آخر يحتاج إلى تعلم هذه المهارات بالتزامن مع دراسة تخصصه، الأول يوجه معظم جهده إلى المادة الجامعية نفسها، أما الثاني فيدرس المادة ويحاول في الوقت ذاته تعلم الأدوات اللازمة لدراستها.
وهنا يمكن أن تتحول أفضلية صغيرة في البداية إلى فرق أكبر مع مرور الوقت، فالمعدل الجامعي المرتفع قد يفتح الطريق إلى منحة أو فرصة تدريب أو برنامج تبادل أو قبول في الدراسات العليا، وهذه الفرص نفسها تمنح الطالب خبرات جديدة تزيد من قدرته على المنافسة، بينما قد يبذل طالب آخر جهدا مشابها لكنه يبدأ من موقع يحتاج فيه أولا إلى تعويض فجوة سابقة، وهكذا لا يبقى أثر الاختلاف المدرسي محصورا في المدرسة، بل يمكن أن يمتد إلى المسار الجامعي وما بعده.
لكن الاعتراف بوجود هذه الفروق لا يعني أن خريج المدرسة الخاصة أو الدولية أكثر قدرة، كما لا يعني أن خريج المدرسة الحكومية أقل قدرة، فالقضية ليست تصنيفا للطلبة وفقا لنوع مدارسهم، وإنما محاولة لفهم أن القدرة الفردية تعمل داخل ظروف مختلفة، وقد يتفوق طالب حصل على موارد محدودة على طالب امتلك موارد أكبر، إلا أن هذا النجاح الفردي لا يلغي السؤال عن عدالة الفرص التي سبقت المنافسة.
من هنا تصبح الجامعة جزءا من الحل، فالمطلوب ليس تخفيض المعايير الأكاديمية، وإنما منح الطالب فرصة حقيقية للوصول إليها، ويمكن للمساقات التأسيسية ودعم اللغة والكتابة الأكاديمية والتدريب على البحث والإرشاد في السنة الأولى أن تقلل أثر الفجوات السابقة، بحيث يصبح الحكم على الطالب مرتبطا بدرجة أكبر بما يستطيع تعلمه وإنجازه داخل الجامعة، لا بما أتيح له قبل الوصول إليها.
وفي النهاية يبقى السؤال الذي يستحق النقاش، عندما نقول إن طالبا تفوق وآخر تعثر، هل نقارن فعلا بين قدراتهما، أم بين مسارين تعليميين لم يبدآ من النقطة نفسها؟ وربما يكون التحدي أمام الجامعات الأردنية ليس فقط في تحقيق العدالة عند القبول، بل في بناء بيئة تجعل ما يحدث بعد القبول قادرا على تصحيح جزء من هذا التفاوت.
هذه المسألة ترتبط بما يعرف بالرأسمال الثقافي، وهو ما يحمله الطالب معه من لغة ومعرفة ومهارات وعادات دراسية وطرق في التفكير والتعبير والتعامل مع المعرفة، فالطالب لا يدخل المدرسة أو الجامعة منفصلا عن أسرته وبيئته السابقة، بل يحمل معه حصيلة سنوات من التعلم والتفاعل، وقد تكون هذه الحصيلة قريبة جدا من المتطلبات التي تكافئها المؤسسة التعليمية، وقد تكون بعيدة عنها، لذلك فإن التفاوت بين الطلبة لا يبدأ بالضرورة داخل قاعة المحاضرة الجامعية، بل قد يكون قد بدأ قبل ذلك بسنوات.
في الأردن تبدو هذه الفكرة واضحة عند النظر إلى اختلاف البيئات المدرسية، فالطالب الذي اعتاد منذ سنوات على إعداد العروض وقراءة النصوص الإنجليزية والبحث عن المعلومات ومناقشة المعلم وكتابة التقارير يصل إلى الجامعة وهو يعرف مسبقا جزءا من قواعد العمل الأكاديمي، وفي المقابل قد يصل طالب آخر بمعدل مرتفع وقدرة علمية جيدة لكنه يواجه للمرة الأولى متطلبات البحث والكتابة الأكاديمية والعروض والمراجع الأجنبية، والجامعة هنا لا تستقبل طالبين يختلفان في القدرة بالضرورة، بل طالبين حصلا على إعداد سابق مختلف.
المشكلة أن نظام القبول يرى النتيجة أكثر مما يرى الظروف التي صنعتها، فالمعدل رقم واضح يمكن استخدامه للمفاضلة، لكنه لا يخبرنا بعدد الطلبة في الصف ولا بمستوى الدعم الذي حصل عليه الطالب ولا بقدرته على الوصول إلى الدروس والكتب والتقنيات والمختبرات ولا بحجم المساعدة التي وجدها داخل أسرته، ولهذا قد تبدو المنافسة متساوية من حيث القواعد بينما تكون نقطة البداية مختلفة.
ثم تنتقل المسألة من بوابة القبول إلى داخل الجامعة، ففي الأسابيع الأولى تحديدا تبدأ الفروق بالظهور، طالب يعرف كيف يبحث عن مرجع ويكتب تقريرا ويقدم عرضا ويتعامل مع منصة إلكترونية ويقرأ مادة علمية باللغة الإنجليزية، وطالب آخر يحتاج إلى تعلم هذه المهارات بالتزامن مع دراسة تخصصه، الأول يوجه معظم جهده إلى المادة الجامعية نفسها، أما الثاني فيدرس المادة ويحاول في الوقت ذاته تعلم الأدوات اللازمة لدراستها.
وهنا يمكن أن تتحول أفضلية صغيرة في البداية إلى فرق أكبر مع مرور الوقت، فالمعدل الجامعي المرتفع قد يفتح الطريق إلى منحة أو فرصة تدريب أو برنامج تبادل أو قبول في الدراسات العليا، وهذه الفرص نفسها تمنح الطالب خبرات جديدة تزيد من قدرته على المنافسة، بينما قد يبذل طالب آخر جهدا مشابها لكنه يبدأ من موقع يحتاج فيه أولا إلى تعويض فجوة سابقة، وهكذا لا يبقى أثر الاختلاف المدرسي محصورا في المدرسة، بل يمكن أن يمتد إلى المسار الجامعي وما بعده.
لكن الاعتراف بوجود هذه الفروق لا يعني أن خريج المدرسة الخاصة أو الدولية أكثر قدرة، كما لا يعني أن خريج المدرسة الحكومية أقل قدرة، فالقضية ليست تصنيفا للطلبة وفقا لنوع مدارسهم، وإنما محاولة لفهم أن القدرة الفردية تعمل داخل ظروف مختلفة، وقد يتفوق طالب حصل على موارد محدودة على طالب امتلك موارد أكبر، إلا أن هذا النجاح الفردي لا يلغي السؤال عن عدالة الفرص التي سبقت المنافسة.
من هنا تصبح الجامعة جزءا من الحل، فالمطلوب ليس تخفيض المعايير الأكاديمية، وإنما منح الطالب فرصة حقيقية للوصول إليها، ويمكن للمساقات التأسيسية ودعم اللغة والكتابة الأكاديمية والتدريب على البحث والإرشاد في السنة الأولى أن تقلل أثر الفجوات السابقة، بحيث يصبح الحكم على الطالب مرتبطا بدرجة أكبر بما يستطيع تعلمه وإنجازه داخل الجامعة، لا بما أتيح له قبل الوصول إليها.
وفي النهاية يبقى السؤال الذي يستحق النقاش، عندما نقول إن طالبا تفوق وآخر تعثر، هل نقارن فعلا بين قدراتهما، أم بين مسارين تعليميين لم يبدآ من النقطة نفسها؟ وربما يكون التحدي أمام الجامعات الأردنية ليس فقط في تحقيق العدالة عند القبول، بل في بناء بيئة تجعل ما يحدث بعد القبول قادرا على تصحيح جزء من هذا التفاوت.