"وادِي السِّـير/ السِّـيرة الشـركسـيَّة (1880 - 1980م)".. كتابٌ يعيد كتابة الذاكرة الشركسية من أفواه شهودها

تاريخ النشر : السبت 06:35 8-8-2026
No Image
  عمان - الرأي

يمزجُ الكاتب محمّد خير عيسى رجب (ݒشِڨبْݘ)، في كتابه الجديد "وادِي السِّـير/ السِّـيرة الشـركسـيَّة (1880 - 1980م)" بين السّيرة الذاتيّة والرّواية والتّاريخ الشّفوي، موثّقاً بذلك قرناً كاملاً من حياة الجالية الشّركسيّة في وادي السّير بالأردن (1880 - 1980)، وذلك اعتماداً على مجموعة من المقابلات الشخصيّة من جهة وسجلّات المحاكم الشرعيّة والوثائق النادرة من جهة أخرى.

"وادِي السِّـير/ السِّـيرة الشـركسـيَّة (1880 - 1980م)"، هو عنوان لكتابٍ يعيد كتابة الذاكرة الشركسية من أفواه شهودها.

ويعيد الكتاب الذي جاء في (848) صفحة، وصدر عن "الآن ناشرون وموزعون" في الأردن (2026)، رسم حياة الشراكسة الذين استوطنوا بلدة وادي السّير غربي عمّان اعتباراً من عام (1880)، في إثر موجات التّهجير القسري الذي نفّذته حكومة روسيا القيصريّة بحق الشّركس بدءاً من عام 1864. ويأتي هذا الإنجاز ثمرة لخمس سنوات من العمل المتواصل جَمَع جزء كبير من مادته منذ ثمانينيّات القرن الماضي عبر مقابلات شخصيّة مع كبار السّن من رواة البلدة وشهودها.

وهنا، لا يكتفي الكاتب أن يكون مؤلَّفه مجرّد سجل تاريخيّ جاف لحياة بلدتة، بل نرى بوضوح تقاطع صوت المؤرّخ الباحث مع صوت الرّاوي الشّاهد الذي عاش كثيراً ممّا يرويه بنفسه. ففي مواضع عديدة ينتقل المؤلّف من سرد الوقائع العامّة إلى استعادة مشاهد من طفولته وشبابه في البلدة. فهو يروي في فصل الزّواج ومراسمه مثلاً، تفاصيل قيامه بـ"خطف" عروسِه، ما يمنح النّص طابعاً يقترب من السّيرة الذاتيّة والعمل الرّوائي في آن، وذلك دون أن يتخلّى عن صرامة التّوثيق وإحالاته المرجعيّة.

وفي هذا السّياق، وصف الدكتور نارت محمد خير قاخون؛ رئيس قسم اللّغة العربيّة في كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بجامعة آل البيت، هذا المزيج في تقديمه للكتاب بالقول إنّ المؤلّف لم يكن "شاهداً وحيداً، ولا عازفاً منفرداً"، بل كان "مجمع شهود، وقائد أوركسترا كاملة من الرّواة والشّهود".

والكتاب الذي يمثّل "قطعة مكثّفة لتاريخ الأردن وتحوّلاته الاجتماعيّة والاقتصاديّة، يتوزّع على تسعة وعشرين فصلاً، يبدأ أوّلها بجذور الشّركس (الأديغة) في شمال القفقاس وحرب الإبادة التي شنّتها روسيا عليهم، ثم ينتقل إلى قصّة تسمية وادي السّير واستقرار الشّركس فيها، مروراً بفصول تتناول أنماط البيوت الطينيّة وطريقة بنائها، والجوامع التّراثيّة، والمزارات والمقابر، والطواحين والمخابز، والأكلات والمشروبات الشّركسيّة، وسجلّات محكمة السّلط الشّرعيّة، وأحداثاً بارزة في تاريخ البلدة، والحركة التّجاريّة ووسائل النّقل، والحركة التّعليميّة، ومراسم الزّواج، وعازفي الأكورديون ورقصات "الفنطزيّات"، والحِرَف اليدويّة، والطّبّ الشّعبي بتفاصيله من الكيّ والحجامة والرّقى إلى القِبالة والخِتانة، ثمّ مناسبات وطقوس رمضان والأعياد والحجّ والمولد النّبوي وعاشوراء، فالزّيّ الشّركسي، والرّياضات والألعاب الشّعبيّة. وينتهى الكتاب بملحق للصوّر يوثّق لوجوه البلدة وأحداثها التي عاشتهاعبر عقود.

يستند الكتاب إلى قاعدة توثيقيّة نادرة تجمع بين مصادر مخطوطة ومطبوعة ومسموعة: سجلّات محكمتَي السّلط وعمّان الشّرعيّتين المحفوظة في مركز الوثائق والمخطوطات بالجامعة الأردنيّة، وسجلّات مديريّة المناهج والامتحانات للأعوام (1921-1950)، ومذكّرات شخصيّة خطّيّة يعود بعضها إلى ثلاثينيّات القرن الماضي، إضافة إلى مراجع عربيّة وإنجليزيّة عن تاريخ شرق الأردن، ومقابلات مباشرة أجراها المؤلّف مع ستّة عشر راوياً من معمّري البلدة.

وقد كشف المؤلّف في فصل الأحداث البارزة، عن جهدٍ بحثي شخصي استغرق سنوات لتوثيق واقعة كادت أن تندثر من الذّاكرة، ألا وهي المعركة التي جرت في الأوّل من نيسان (1918) بين مجموعة من شبّان وادي السّير، وكتيبة نيوزيلنديّة تابعة للجيش البريطاني أثناء انسحابها من عمّان باتجاه فلسطين. وهي واقعة لم يجد لها أثراً في أيّ مرجع تاريخي مكتوب حين بدأ البحث فيها عام 1984، فاعتمد كليّاً على روايات شهود أحياء، قبل أن يعثر لاحقاً، وبمحض الصّدفة، على شاهد القبر الوحيد المتبقّي لأحد ضحاياها.

تزخر صفحات الكتاب بمشاهد حيّة من الحياة اليوميّة القديمة، والتي منها طريقة بناء البيوت الطينيّة وصبّ أسطحها في احتفاليّة جماعيّة تُرفع خلالها "البيارق" الملوّنة تكريماً لصاحب الدّار، وكذلك عادة "مدفع رمضان" البدائي الذي كان يُصنع من أسطوانة معدنيّة وملح البارود ليؤذِن بالإفطار قبل انتشار الرّاديو، وكذلك طقوس "الخطيفة" التي كانت الطريقة الشّائعة للزّواج عند الشّركس، ثم ميثاق تحديد المهر بـ(150) ديناراً، بدل الـ(300) دينار الذي كان سارياً، إذ وقّعه وجهاء الشّركس في الأردن في مقر الجمعية الخيرية الشركسيّة في رأس العين في عمّان عام (1952) بهدف الحد من غلاء المهور، ثم قصّة الثّلجة الكبرى وزلزال عام (1927) اللذان هزّا البلدة والمنطقة. كما يفرد الكتاب مساحة لشخصيّات محليّة استثنائيّة، وللشّخصيّة العسكريّة التّركيّة الشّركسيّة الأصل؛ "شركس أدهم"، الذي شارك في تأسيس الجمهوريّة التّركيّة قبل أن يُحكم عليه بالإعدام ويموت لاجئاً منسيّاً في عمّان.

وللحق، فإنّ الكتاب يمثّل إضافة نوعيّة للمكتبة التّاريخيّة والأنثروبولوجيّة الأردنيّة، وهو إلى جانب قيمته التّاريخيّة، جرس إنذار يطلقه المؤلّف بشأن تراجع اللّغة الشّركسيّة وتلاشي كثير من العادات والمهارات الحِرفيّة، ودعوة صريحة إلى الباحثين في التّاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا لمواصلة الحفر في هذه المادّة الغنيّة قبل أن يطويها النّسيان.

وقد صدر الكتاب بدعم من وزارة الثقافة الأردنية، وتزيّن غلافه بلوحة للفنانة التشكيلية الشركسيّة فايدة ماتوخ. كما تضمَّن كلمة على غلافه الخارجي الأخير كلمة للدكتورة هند أبو الشّعر، وفيها تقول:

"هذه السـردية تصلح لأن تكون مصدراً للروائيين الذين يستندون إلى المكان والشخصيات في بدايات الهجرة الشـركسية. وقد نجح المؤلف باستعادة جميع عناصر المكان بتفاصيله الجميلة ما بين الجغرافيا وتحديداً المصادر المائية (الينابيع، البرك الرومانية)، ولم ينس المرافق القديمة في وادي السير، من خِرَب، وطواحين، وجوامع، ودكاكين، ومرافق إدارية وأمنية وثقافية. وقد استوقفتني دراسة المؤلف الذكية للحياة الاقتصادية والاجتماعية، ما بين ملْكية الأرض والزراعة، والعربات الشـركسية، والنقل، والتجارة ما بين الثلاثينيات والخمسينيات من القرن العشـرين، وكانت مادته للحياة الاجتماعية حية تشبه فيلماً سينمائياً يوثق بكاميرا ذكية تُحسن التقاط الذكريات، وتعرض الطقوسَ بجمال باذخ. واستكمل المؤلف استذكاره بنشـر مجموعة من الصور المنتقاة. وللحقّ، فقد أمتعتني قراءة هذه السيرة الشـركسية لوادي السير، وعرفتُ لماذا تمنّى شاعر الأردن مصطفى وهبي التل أن يكون الوقوف بوادي السير إجبارياً".

أمّا في ما يتعلّق بالسيرة الذاتيّة للكاتب، فهو من مواليد وادي السير عام (1944). وقد حصل على درجة البكالوريوس في الفلسفة وعلم الاجتماع من جامعة دمشق عام (1968)، ثم البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من الجامعة اللبنانية عام (1978). ومن بعده حصل على شهادة الدبلوم العالي في الإعلام من الجامعة الأردنية عام (1881) ، وكان ترتيبه الأوّل فيها.

وفيما يتعلّق بمسيرته المهنية فقد تنقّل المؤلف ما بين التعليم في مدارس الحكوميّة، ثم رئيسأ لقسم الأخبار الإنكليزية في الإذاعة، فمديراً ماليّاً وإداريّا في وزارة الثقافة، ثمّ مساعداً لمدير عام دائرة المكتبة الوطنية، فمديراً عاماً بالوكالة لها ولحين إحالة نفسه على التقاعد عام (1999). وقد شارك خلال خدمته في الدولة، في العديد من المؤتمرات والدورات المتخصصة في الإعلام والمكتبات والإدارة، داخل الأردن وخارجها، في الإعلام والمكتبات والإدارة.

وعلى المستوى الاجتماعي، ساهم في تأسيس عدد من المؤسسات والهيئات المجتمعية في وادي السير، والتي منها الجمعيّة الخيريّة الشركسيّة/ فرع وادي السّير، والمجلس العشائري الشركسي الشيشاني، حسب المسمّى القديم. كما كان، ولا يزال، من الكتّاب الدّائمين في مجلة الإخاء التي تصدرها الجمعيّة الخيريّة الشركسيّة/ فرع وادي السير. وعلى المستوى المحلي، ساهم في نشر بعض المقالات في مجلّة أفكار الأردنيّة، وفي صحيفة الدستور، كذلك.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }