القدس... حين يصبح توحيد الموقف ضرورة لا خياراً
11:31 6-8-2026
آخر تعديل :
الخميس
جاء لقاء جلالة الملك عبدﷲ الثاني مع أعضاء اللجنة الوزارية العربية المكلفة بالتحرك الدولي لمواجهة السياسات والإجراءات الإسرائيلية غير القانونية في القدس المحتلة في لحظة سياسية شديدة الحساسية، ليؤكد أن ما يجري في المدينة المقدسة يتجاوز حدود الإجراءات اليومية أو التطورات الميدانية، ويدخل في إطار صراع أوسع على مستقبل القدس وهويتها ووضعها التاريخي والقانوني. فقد شدد جلالته على ضرورة اتخاذ موقف عربي وإسلامي موحد وجهد مشترك لوقف الإجراءات الإسرائيلية غير المسبوقة في القدس، خصوصاً في المسجد الأقصى المبارك/الحرم القدسي الشريف، انطلاقاً من إدراك بأن المرحلة الحالية لا تحتمل الاكتفاء بالمواقف التقليدية، بل تتطلب تحركاً استباقياً يمنع تكريس واقع جديد يصعب تغييره لاحقاً.
لا تتحرك إسرائيل في القدس بمعزل عن السياق الإقليمي، ولا تُصعّد إجراءاتها في توقيتات عشوائية. فمن يقرأ تاريخ الصراع يدرك أن أكثر التحولات حساسية في المدينة المقدسة جاءت في لحظات كان فيها العالم منشغلاً بأزمات مختلفة، وكانت المنطقة غارقة في أولويات أخرى. واليوم تبدو هذه القاعدة أكثر حضوراً من أي وقت مضى؛ فبينما تستنزف الحروب والأزمات الإقليمية اهتمام العواصم الكبرى، تتسارع محاولات إعادة تشكيل الواقع في القدس، وكأن نافذة سياسية فُتحت لإحداث تغييرات قد يصعب التراجع عنها لاحقاً.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن قراءة الدعوة الأردنية إلى موقف عربي وإسلامي موحد باعتبارها مجرد تعبير عن التضامن مع القدس، بل باعتبارها محاولة لإغلاق هذه النافذة السياسية قبل أن تتحول الإجراءات الأحادية إلى أمر واقع دائم. فالخطر، كما يدرك الأردن، لا يكمن فقط في طبيعة الخطوات الإسرائيلية ذاتها، وإنما في البيئة الدولية والإقليمية التي قد تسمح بمرورها دون تكلفة سياسية توازي خطورتها.
ثمة تحول مهم في طبيعة إدارة إسرائيل للصراع. ففي مراحل سابقة، كانت تُفرض الوقائع على الأرض ثم تبدأ محاولات البحث عن صيغ سياسية للتعامل مع نتائجها. أما اليوم، فإن الرهان يبدو قائماً على أن كثافة الأزمات في الشرق الأوسط ستجعل كثيراً من هذه الوقائع تمر دون أن تتحول إلى قضية دولية ضاغطة. وهنا يكمن جوهر التحذير الأردني؛ فالقدس لا تفقد أهميتها، لكنها قد تتراجع في سلم الأولويات الدولية إذا لم يُواجه هذا المسار بتحرك سياسي قادر على إعادة وضعها في مركز الاهتمام.
ولهذا السبب تحديداً، جاءت الدعوة إلى موقف عربي وإسلامي موحد. فالرسالة لا تتوجه إلى إسرائيل فقط، بل إلى المجتمع الدولي أيضاً. فعندما تتحدث العواصم العربية والإسلامية بصوت متماسك، فإنها تمنع تحويل القدس إلى ملف ثانوي يذوب وسط الأزمات الأخرى، وتؤكد أن المساس بوضعها التاريخي والقانوني ليس شأناً محلياً، بل قضية تمس قواعد النظام الدولي. أما استمرار التباين في المواقف، فإنه يمنح الحكومة الإسرائيلية مساحة أوسع للمناورة، ويعزز الاعتقاد بأن ردود الفعل ستبقى محصورة في دائرة الإدانة اللفظية.
ويخطئ من يظن أن المعركة الدائرة في القدس هي معركة دينية فقط. إنها، في جوهرها، معركة على المرجعية القانونية التي تحكم المدينة وعلى المبادئ التي يقوم عليها النظام الدولي. فكل تغيير في الوضع التاريخي والقانوني للمسجد الأقصى المبارك/الحرم القدسي الشريف لا يقتصر أثره على الفلسطينيين و الأردنيين، بل يمس فكرة احترام القانون الدولي ورفض تغيير أوضاع الأراضي المحتلة بالقوة. وإذا أصبح بالإمكان تعديل أوضاع الأماكن المقدسة عبر فرض الوقائع، فإن ذلك يفتح الباب أمام سابقة تتجاوز القدس إلى مناطق نزاع أخرى في العالم.
ومن هنا تتجلى أهمية الدور الأردني. فالأردن لا يدافع عن الوصاية الهاشمية باعتبارها عنواناً سياسياً فحسب، وإنما باعتبارها مسؤولية تاريخية وقانونية وفرت، على مدى عقود، عنصر استقرار في إدارة المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وحافظت على مكانتها الروحية والحضارية. وقد أكد جلالة الملك استمرار الأردن في القيام بهذا الدور انطلاقاً من الوصاية الهاشمية، التي شكلت إطاراً ثابتاً لحماية المقدسات والدفاع عنها.
لكن ما يلفت الانتباه في التحرك الأردني في هذه المرحلة هو أنه لا يكتفي بالدفاع، بل يسعى إلى إعادة بناء مظلة سياسية عربية وإسلامية حول القدس. وهذا تحول مهم؛ لأن إدارة الأزمات لا تكفي عندما تكون الأزمة نفسها في طور إعادة التشكل. فالمرحلة الحالية تتطلب تحالفاً دبلوماسياً نشطاً ومستداماً، لا مجرد تنسيق موسمي، يتعامل مع القدس باعتبارها أولوية استراتيجية لا قضية ترتبط فقط بلحظات التصعيد.
ويبقى السؤال الأهم: ماذا بعد؟
إذا بقيت التحركات العربية والإسلامية في حدود رد الفعل، فإن إسرائيل ستواصل العمل وفق قاعدة أن عامل الزمن يصب في مصلحتها. أما إذا نجحت هذه التحركات في تحويل القدس إلى ملف دائم على أجندة المجتمع الدولي، فإن كلفة فرض الوقائع ستصبح أعلى بكثير من كلفة التراجع عنها. وفي السياسة، غالباً ما تكون معركة الزمن أكثر حساسية من معركة الجغرافيا، لأن ما يُرسخ اليوم قد يصبح أكثر صعوبة في تغييره غداً.
لهذا جاءت رسالة جلالة الملك عبدالله الثاني في هذا التوقيت كدعوة إلى استعادة المبادرة قبل أن تصبح إدارة النتائج هي الخيار الوحيد. فالسياسة لا تُقاس فقط بما يحدث بعد اكتمال الوقائع، وإنما بقدرة الدول على منع تشكلها منذ البداية. وهذه هي المعركة الحقيقية التي يخوضها الأردن اليوم: معركة حماية المستقبل، لا مجرد الدفاع عن الحاضر؛ ومعركة الحفاظ على القدس باعتبارها قضية قانون وتاريخ وهوية، لا مجرد عنوان عابر في بيانات المواقف السياسية.