توقع وزير الدولة الأسبق للشؤون الاقتصادية في الأردن، الخبير الاقتصادي الدكتور يوسف منصور، والخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب السرحان، استمرار قوة أسعار الذهب خلال المرحلة المقبلة، مدفوعة بتوقعات خفض أسعار الفائدة الأميركية واستمرار الطلب عليه كملاذ آمن، مقابل استقرار نسبي أو تراجع تدريجي لأسعار النفط مع انحسار المخاطر الجيوسياسية، مؤكدين أن الاقتصاد الأردني أصبح أكثر قدرة على التعامل مع تقلبات أسواق الطاقة مقارنة بالسنوات الماضية.
وقال منصور إن مستقبل أسعار الذهب تحكمه أربعة عوامل رئيسية، يتمثل أولها في مستوى المخاطر الجيوسياسية، موضحاً أن تراجع التوترات أو التوصل إلى اتفاقات سياسية شاملة سيؤدي إلى انخفاض الطلب على الذهب باعتباره ملاذاً آمناً، وهو ما قد ينعكس على الأسعار بتراجع محدود.
وأضاف أن العامل الثاني يتمثل في سياسة أسعار الفائدة الأميركية، مبيناً أن أي خفض للفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي سيزيد من جاذبية الذهب، نتيجة انخفاض عوائد السندات، الأمر الذي يدفع المستثمرين إلى توجيه استثماراتهم نحو المعدن الأصفر.
وأشار إلى أن العامل الثالث يتمثل في معدلات التضخم، موضحاً أن استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، ولا سيما في الولايات المتحدة والدول الغربية، سيدفع المستثمرين إلى الاحتفاظ بالذهب كأداة للتحوط من تآكل القوة الشرائية.
وبيّن أن العامل الرابع يتمثل في استمرار البنوك المركزية، خاصة في الأسواق الناشئة، في تعزيز احتياطياتها من الذهب، وهو ما يشكل دعماً إضافياً للأسعار، مؤكداً أن غالبية المحللين العالميين لا يتوقعون انهياراً في أسعار الذهب بعد تراجع التوترات، وإنما يرجحون استمرارها عند مستويات مرتفعة أو تسجيل تراجع محدود، مع إمكانية تحقيق مكاسب جديدة إذا اتجه الاحتياطي الفيدرالي إلى خفض أسعار الفائدة.
وفيما يتعلق بالنفط، أوضح منصور أن الارتفاعات الأخيرة جاءت نتيجة ما يعرف بـ'علاوة المخاطر الجيوسياسية'، الناتجة عن المخاوف من إغلاق مضيق هرمز أو تعطل صادرات النفط الخليجية واضطراب سلاسل الإمداد العالمية.
وأضاف أن تراجع هذه المخاطر وعودة تدفق النفط بصورة طبيعية يؤديان إلى زوال هذه العلاوة وانخفاض الأسعار تدريجياً، وهو ما انعكس بالفعل على تراجع خام برنت إلى ما دون 80 دولاراً للبرميل، متوقعاً أن يواصل النفط مساره النزولي التدريجي إذا استقرت الأوضاع، فيما قد ترتفع الأسعار مجدداً وبسرعة في حال تعثرت المفاوضات أو تجدد التصعيد العسكري في المنطقة.
من جانبه، أكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب السرحان أن الأسواق العالمية تدخل مرحلة تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين، ما يجعل الذهب والنفط في مقدمة المؤشرات التي يراقبها المستثمرون وصناع القرار الاقتصادي.
وأوضح أن الذهب سيبقى مدعوماً بعوامل المخاطر الجيوسياسية وتوقعات خفض أسعار الفائدة العالمية، في حين يُرجح أن تتحرك أسعار النفط ضمن نطاقات معتدلة ما لم تشهد المنطقة تطورات جيوسياسية جديدة تؤثر في الإمدادات العالمية.
وأشار الحدب إلى أن توقعات عدد من المؤسسات المالية العالمية، من بينها J.P. Morgan وGoldman Sachs، تشير إلى استمرار تداول الذهب عند مستويات مرتفعة خلال الأشهر المقبلة، مع بقائه فوق مستوى 3300 دولار للأونصة، وإمكانية وصوله إلى ما بين 3600 و3900 دولار للأونصة إذا استمرت التوترات الجيوسياسية وواصلت البنوك المركزية زيادة احتياطياتها من الذهب.
وأضاف أن مشتريات البنوك المركزية تجاوزت ألف طن سنوياً خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، وهو ما يعكس استمرار الطلب العالمي على الذهب باعتباره أحد أهم الملاذات الآمنة في أوقات الأزمات.
وأوضح أن توقعات وكالة الطاقة الدولية وإدارة معلومات الطاقة الأميركية تشير إلى أن متوسط سعر خام برنت قد يتراوح بين 65 و75 دولاراً للبرميل خلال الفترة المقبلة، في ظل توازن نسبي بين العرض والطلب واستمرار سياسة تحالف 'أوبك+' في إدارة الإنتاج، مع احتمال تجاوز الأسعار مستوى 80 دولاراً للبرميل بصورة مؤقتة إذا شهدت المنطقة تصعيداً سياسياً أو عسكرياً جديداً.
وأكد الحدب أن الأردن يعد من أكثر الدول تأثراً بتقلبات أسعار النفط، لاعتماده على استيراد أكثر من 90% من احتياجاته من الطاقة، موضحاً أن أي ارتفاع في أسعار النفط ينعكس مباشرة على كلف النقل والإنتاج والصناعة والخدمات، ويزيد الضغوط على الميزان التجاري والمالية العامة.
وأشار إلى أن الاقتصاد الأردني أصبح أكثر قدرة على امتصاص هذه الصدمات نتيجة التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، التي أصبحت تسهم بنحو 27% من إجمالي الكهرباء المولدة في المملكة، إضافة إلى سياسة الحكومة في التدرج بعكس ارتفاع أسعار المشتقات النفطية، وتحملها منذ بداية الأزمة وحتى نهاية تموز الماضي نحو 212 مليون دينار كدعم وفروقات سعرية، ما ساهم في الحد من انتقال الارتفاعات العالمية إلى السوق المحلية، والحفاظ على معدل تضخم منخفض بلغ نحو 1.8%، وهو من أدنى المعدلات في المنطقة.
وأضاف أن ارتفاع أسعار الذهب يحمل آثاراً متباينة على الاقتصاد الأردني، إذ يعزز الإقبال على الاستثمار في الذهب كوسيلة للتحوط وحفظ القيمة، وفي المقابل يحد من الطلب على المشغولات الذهبية نتيجة ارتفاع أسعارها، مؤكداً أن استمرار ارتفاع الذهب يعكس استمرار حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، وليس قوة المعدن الأصفر وحدها.
ورجح الحدب أن يتمثل السيناريو الأقرب خلال الأشهر المقبلة في استمرار الذهب عند مستويات تاريخية مرتفعة، مقابل استقرار أسعار النفط ضمن نطاقات معتدلة، ما لم تطرأ متغيرات جيوسياسية جديدة، مؤكداً أن هذا السيناريو يمنح الاقتصاد الأردني فرصة لتعزيز الاستقرار المالي، في ظل تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي، وارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 2.024 مليار دولار خلال عام 2025 بنمو 25.1%، وارتفاع معدل النمو الاقتصادي إلى نحو 3%.
واختتم الحدب بالتأكيد أن الاقتصادات لا تستطيع التحكم في اتجاهات أسعار الذهب أو النفط، لكنها تستطيع بناء سياسات تحد من آثار تقلباتهما، من خلال مواصلة الاستثمار في الطاقة المتجددة، وتنويع مصادر التزود بالطاقة، وتحسين كفاءة استخدامها، وتعزيز الصادرات والإنتاج المحلي، بما يسهم في ترسيخ الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.
خبراء: الذهب يحافظ على زخمه والنفط يتجه للاستقرار.. والأردن أكثر قدرة على مواجهة التقلبات العالمية
02:08 6-8-2026
آخر تعديل :
الخميس