محليات

توصيات لبناء منظومة وطنية متكاملة للوقاية من تعاطي المواد

ترجمة الأدلة إلى برامج

- الرواشدة: أساليب التوعية باتت تراعي طبيعة الفئة المستهدفة واهتماماتها
- الحنيطي: ضرورة مواجهة الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالعلاج
- مساعدة: التعامل مع فئة الشباب يتطلب فهم خصائصهم النفسية والفسيولوجية والعمرية
- الهباهبة: وزارة «التربية» تعمل على إكساب الطلبة المهارات الحياتية لبناء جيل واعٍ ويواجه المخاطر

اتفق مشاركون في جلسة حوارية على أن مخرجات دراسة «توليد الأدلة العلمية لبناء برنامج شامل للوقاية من استخدام المواد بين الأطفال والشباب في الأردن»، التي أطلقها المجلس الوطني لشؤون الأسرة ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، تشكل قاعدة للانتقال من تشخيص عوامل الخطورة إلى عمل وطني منسق، يحول الأدلة والنتائج إلى برامج وقائية قابلة للتنفيذ والقياس، ويعالج الفجوة بين معرفة الأطفال والشباب بمخاطر استخدام المواد، بما فيها التدخين ومشروبات الطاقة والكحول والمواد المخدرة، وبين السلوكيات المرتبطة بتجربتها واستخدامها.
وأكد المشاركون، خلال جلسة «ترجمة نتائج الدراسة إلى عمل وطني منسق»، أن الوقاية الفاعلة تتطلب تجاوز التوعية التقليدية إلى تدخلات متكاملة تراعي اختلاف احتياجات الأطفال والمراهقين والشباب، وتربط الوقاية بالصحة النفسية والدعم الأسري والمهارات الحياتية والقدرة على مواجهة ضغوط الأقران، إلى جانب توحيد جهود المؤسسات الوطنية وتعزيز الشراكة بينها، بما يضمن استدامة التدخلات وتحويل نتائج الدراسة إلى سياسات وبرامج تستند إلى الأدلة.
في هذا السياق، قال رئيس قسم الإعلام والتوعية في إدارة مكافحة المخدرات بمديرية الأمن العام، المقدم نبيل الرواشدة، إن الدراسات المتخصصة تمثل «النور» الذي يوضح الطريق أمام المؤسسات، ويساعدها على بناء تدخلات أكثر دقة.
وأكد أهمية إجراء الدراسات المتخصصة والذي يساعد على فهم المشكلة والمساهمة في منع تفاقمها، مشيرًا إلى أن إدارة مكافحة المخدرات عملت خلال السنوات الماضية على توسيع نطاق برامج التوعية لتشمل مختلف الفئات العمرية، بدءًا من الأطفال وصولًا إلى الآباء والأمهات وكبار السن.
وأوضح أن أساليب التوعية باتت تراعي طبيعة الفئة المستهدفة واهتماماتها، لافتًا إلى استخدام أساليب قائمة على اللعب والأنشطة التفاعلية عند التعامل مع الأطفال، فيما يتم توظيف الرياضة والمسرح وغيرها من الوسائل للوصول إلى فئات الشباب.
وأشار الرواشدة إلى أن الإدارة تعمل على الابتعاد عن أسلوب التخويف والخطابة في التوعية، والتركيز بدلاً من ذلك على تقديم معلومات علمية مبنية على الأدلة.
وبيّن أن الإدارة أعدت عام 2025 منهاجًا خاصًا بالتوعية بالتعاون مع أساتذة جامعيين وخبراء ومختصين في عدة مجالات؛ ليكون أساسًا في تقديم الرسائل التوعوية، مع تكييف محتواه وفق الفئة المستهدفة.
ولفت إلى أن قياس أثر برامج التوعية يمكن أن يستند، من بين مؤشرات أخرى، إلى زيادة الإقبال على العلاج، وتراجع الوصمة الاجتماعية المرتبطة بطلب المساعدة، وارتفاع قدرة الأسر على التعامل مع المشكلة باعتبارها قضية صحية تحتاج إلى مساعدة.
من جهته، قال مدير مركز علاج الإدمان في وزارة الصحة، الدكتور أحمد الحنيطي، إن نتائج الدراسة جاءت متوافقة بدرجة كبيرة مع طبيعة العمل الذي تقوم به الوزارة، وأكدت أهمية بناء التدخلات على أدلة علمية تستجيب لطبيعة المشكلة المتغيرة.
وأوضح أن التعامل مع الإدمان ينطلق من اعتباره مرضًا مزمنًا قابلًا للانتكاس، وأن الانتكاس جزء من المسار العلاجي.
وأكد أهمية الاستثمار في الكوادر الصحية وتدريبها وتثقيفها حول طبيعة الإدمان، مشيرًا إلى أن تطوير العاملين في القطاع الصحي انعكس على طريقة تقديم الخدمات والتعامل مع متلقيها.
وشدد على ضرورة مواجهة الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالعلاج، وتحويل النظرة إلى طلب المساعدة من دلالة على الفشل إلى مؤشر على الاهتمام بالصحة النفسية والسلامة والسعادة.
وأشار إلى أن بعض الأشخاص الذين يحتاجون إلى العلاج قد لا يتمكنون من الوصول إلى الخدمات الصحية، سواء بسبب تحسن حالتهم أو نتيجة تعرضهم لانتكاسة تحول دون وصولهم إلى العلاج، ما يستدعي استخدام طرق غير تقليدية للوصول إليهم ومساعدتهم.
وأكد أن هذه المشكلة لا يمكن أن تتصدرها جهة واحدة، وإنما تحتاج إلى شراكات بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المدني وجميع الجهات المعنية، إلى جانب تعزيز دور الأسرة في مرحلة ما بعد العلاج، وتزويد أفرادها بالمعارف والمهارات اللازمة للتعامل مع المتعافي.
بدوره، شدد مدير مديرية السياسات والتخطيط والدراسات في وزارة الشباب، جهاد مساعدة، على ضرورة تكامل أدوار الوزارات والمؤسسات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني والأسر والشركاء الداعمين للأردن لحل هذه المشكلة.
وأشار إلى أن الوزارة أجرت مسحًا وطنيًا للشباب على مستوى محافظات المملكة للفئة العمرية من 10 إلى 30 عامًا، وتضمن جانبًا متعلقًا بآفة المخدرات، مبينًا أن ملف الشباب يتقاطع مع هذا الموضوع بصورة مباشرة.
وأوضح أن وزارة الشباب تعمل على بناء استراتيجية وطنية للشباب تتضمن محورًا للصحة الشاملة، بما يشمل الحماية والوقاية من المخدرات، وتسعى إلى ترجمة هذه الاستراتيجية بالتعاون مع الشركاء إلى برامج عملية.
ولفت إلى برنامج «عقول صحية» الذي تنفذه الوزارة بدعم من اليونيسف وبالتعاون مع هيئة أجيال السلام، ويركز على تعزيز تقدير الذات ومفهوم الذات لدى الشباب، ومساعدتهم على مواجهة المخاطر والسلوكيات الخطرة، وتعزيز قدرتهم على التعامل معها داخل الأسرة والمدرسة والجامعة والمجتمع.
وأكد أن التعامل مع فئة الشباب يتطلب فهم خصائصهم النفسية والفسيولوجية والعمرية، وبناء قدرات العاملين معهم حتى يتمكنوا من إيصال المعلومات والمهارات بطريقة علمية وفعالة.
من جانبه، أكد رئيس قسم الإرشاد في وزارة التربية والتعليم، بسام الهباهبة، أن نتائج الدراسة تقدم مؤشرات مهمة يمكن تحويلها إلى برامج داخل المدارس، خصوصًا في ظل وجود فجوة بين المعرفة والسلوك لدى الطلبة.
وقال إن الوزارة تعمل في مجالات متعددة تشمل الصحة النفسية والاجتماعية، والوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية والتدخين والتبغ ومشروبات الطاقة، إلى جانب التنمر والتنمر الإلكتروني، وتهدف من خلال ذلك إلى إكساب الطلبة المهارات الحياتية اللازمة لبناء جيل واعٍ وقادر على مواجهة المخاطر.
وأشار إلى أن نتائج الدراسة، ولا سيما ما يتعلق بمشروبات الطاقة والتجربة الأولى وتأثير المعرفة، تطرح سؤالًا أساسيًا حول كيفية ترجمة الأرقام والمؤشرات إلى برامج فعالة داخل المدارس.
وأكد أهمية التركيز خلال المرحلة المقبلة على مهارات الثقة بالنفس، والرفض، وتقدير الذات، ومعرفة الذات، وحل المشكلات، وتحمل ضغوط الأقران، باعتبارها مهارات أساسية في الوقاية من السلوكيات الخطرة.
ولفت إلى أن وزارة التربية والتعليم تضم أكثر من مليوني طالب، ومنظومة تعليمية متنوعة تشمل المدارس الحكومية والخاصة ومدارس وكالة الغوث والثقافة العسكرية، ما يتطلب، وفقه، الجلوس إلى طاولة واحدة وبناء برامج توعوية على مستوى وطني، بدلاً من تصميم برامج منفصلة لكل قطاع.
وشدد على ضرورة تعزيز دور الأسرة، ودعم الأقران، والاستفادة من التكنولوجيا في تطوير أدوات التوعية، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة لا تحتاج بالضرورة إلى زيادة عدد البرامج، بقدر ما تحتاج إلى برامج أكثر تأثيرًا وفاعلية.
كما دعا إلى تكامل أدوار المؤسسات الوطنية، بما فيها دور العبادة ووزارة الأوقاف، في توجيه الأسر والتعريف بالمؤشرات المبكرة التي قد تظهر على الطلبة، بما يساعد على التدخل قبل تفاقم المشكلة.
وفي السياق ذاته، قال القائم بأعمال مدير مديرية الحماية والأحداث في وزارة التنمية الاجتماعية، عماد الصهيبة، إن الوزارة تنظر إلى نتائج الدراسة باعتبارها مؤشرات مهمة يمكن الاستناد إليها في تطوير العمل الميداني، لافتًا إلى أن كثيرًا من نتائجها تتقاطع مع ما توصلت إليه الوزارة من خلال عملها ودراسات سابقة.
وأوضح أن الوزارة وسعت خلال الفترة الماضية برامج التوعية المتخصصة بالأحداث والأطفال، وعملت على تدريب مدربين في مختلف مديريات التنمية، إلى جانب إعداد مدربين في أقاليم الشمال والوسط والجنوب، بهدف توسيع نطاق التوعية ونقل الخبرات إلى مناطق مختلفة من المملكة.
وأشار إلى إعداد دليل إجراءات متخصص للتعامل مع المخدرات لدى الأطفال، وتدريب العاملين في دور الرعاية على كيفية الاستجابة للمشكلة، وإعداد البرامج الإرشادية واختيار الأساليب والوسائل المناسبة لتقديم الخدمات.
وأضاف أن الوزارة عملت كذلك على تدريب العاملين في مكاتب الخدمة الاجتماعية، وعددها 19 مكتبًا، على التعامل مع المشكلات الأسرية وقضايا حماية الطفل التي قد تتقاطع مع التعرض للمواد المخدرة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وأكد أهمية وجود آلية واضحة وموحدة للتعامل مع الحالات بين مختلف الفرق والمؤسسات، بما يعزز قدرة منظومة الحماية على الاستجابة المبكرة والفعالة.