كتاب

أمن الطاقة والغذاء... استثمار في استقرار الدولة ومستقبلها

تشهد البيئة الدولية تغيرات متسارعة فرضت على الدول إعادة النظر في أولوياتها الاستراتيجية، بعدما أثبتت الأزمات المتلاحقة أن استقرار الاقتصادات لم يعد يعتمد على مؤشرات النمو والاستثمار فقط، وإنما على قدرة الدول على تأمين احتياجاتها الأساسية في أصعب الظروف أيضاً. فمنذ جائحة كورونا، مروراً بالحرب الروسية الأوكرانية، ووصولاً إلى التوترات المستمرة في الشرق الأوسط واضطرابات الملاحة وسلاسل التوريد، برز أمن الطاقة والأمن الغذائي باعتبارهما خط الدفاع الأول عن استقرار الدول وقدرتها على مواجهة الأزمات.
وفي هذا السياق، يكتسب الاجتماع الذي ترأسه جلالة الملك عبدالله الثاني لمتابعة إجراءات الحكومة لتعزيز أمن الطاقة والغذاء أهمية خاصة، لأنه يعكس انتقال الدولة من إدارة الأزمات عند وقوعها إلى تبني نهج استباقي يقوم على التخطيط طويل المدى، وتعزيز الجاهزية الوطنية لمواجهة مختلف السيناريوهات الإقليمية والعالمية، كما يؤكد أن بناء القدرة على الصمود في مواجهة المتغيرات أصبح أحد المرتكزات الأساسية لحماية الاقتصاد الوطني واستدامة التنمية.
إن أمن الطاقة لا يقتصر على توفير الوقود أو الكهرباء، بل يمثل ضماناً لاستمرار عمل المصانع، والمستشفيات، وشبكات المياه، ووسائل النقل، والاتصالات، والخدمات الحيوية كافة، لذلك فإن تنويع مصادر الطاقة، والتوسع في استغلال الموارد المحلية، وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة، وبناء مخزون استراتيجي قادر على مواجهة الاضطرابات، تعد جميعها استثمارات مباشرة في الأمن الوطني والاقتصاد معاً، كما تمثل أحد أهم عناصر بناء اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
وتبرز أهمية هذا التوجه في منطقة ما تزال تشهد توترات تؤثر بصورة مباشرة في أسواق النفط والغاز وخطوط النقل البحري، وهو ما يجعل امتلاك منظومة طاقة مرنة وقادرة على التكيف عاملاً رئيسياً في حماية الاقتصاد الوطني من تقلبات الأسعار أو أي انقطاع محتمل في الإمدادات، كما أن مواصلة تطوير مشاريع الطاقة المحلية، والتوسع في الطاقة المتجددة، وتعزيز البنية التحتية لقطاع الطاقة، تسهم في خفض كلف الإنتاج، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية.
وفي المقابل، أصبح الأمن الغذائي أحد أبرز مؤشرات قوة الدول وقدرتها على حماية مجتمعاتها، إذ أصبح الغذاء ركناً أساسياً من أركان الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وإحدى أدوات القوة الاقتصادية في عالم يشهد تصاعداً في المنافسة على الموارد، وارتفاعاً في معدلات التضخم، وتزايداً في تأثيرات التغير المناخي على الإنتاج الزراعي وسلاسل الإمداد.
ومن هنا تأتي أهمية توجيهات جلالة الملك بالحفاظ على مخزون استراتيجي آمن من الحبوب والسلع الأساسية، وتطوير آليات إدارة هذا المخزون بما يضمن استدامة الإمدادات وعدم تأثر السوق المحلية بأي اضطرابات خارجية، حيث يمنح المخزون الاستراتيجي الدولة الوقت الكافي للتعامل مع الأزمات، ويحد من آثار التقلبات العالمية على الأسعار وتوافر السلع، ويعزز ثقة المواطنين والقطاع الاقتصادي بقدرة الدولة على إدارة الظروف الاستثنائية.
ويواكب ذلك أهمية تطوير منظومة الأمن الغذائي بصورة متكاملة، بدءاً من تعزيز الإنتاج المحلي، مروراً بتحديث قدرات التخزين والنقل والخدمات اللوجستية، ووصولاً إلى بناء منظومة أكثر كفاءة لإدارة المخزون وضمان انسياب السلع إلى الأسواق في مختلف الظروف، بما يعزز قدرة المملكة على مواجهة أي اضطرابات في سلاسل التوريد العالمية.
كما أن دعوة جلالته إلى تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص في مجالي التخزين والنقل تؤكد أن تحقيق الأمن الغذائي وأمن الطاقة مسؤولية وطنية مشتركة، تتطلب تكامل الأدوار بين الحكومة والقطاع الخاص، والاستفادة من الخبرات والاستثمارات الوطنية في تطوير البنية التحتية اللوجستية، وزيادة كفاءة التخزين، وتحسين سرعة الاستجابة للمتغيرات، بما يعزز مرونة منظومة الإمداد الوطنية ويرفع جاهزيتها.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن الاستثمار في أمن الطاقة والغذاء ينعكس مباشرة على تنافسية الاقتصاد الوطني، إذ يسهم في استقرار كلف الإنتاج، ويعزز ثقة المستثمرين، ويحد من المخاطر المرتبطة بالتقلبات الخارجية، كما يدعم قدرة الدولة على تنفيذ خططها التنموية دون أن تبقى رهينة للأزمات الدولية، ويتكامل ذلك مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي التي تركز على بناء اقتصاد أكثر قدرة على النمو المستدام، واستقطاب الاستثمار، وتعزيز مرونة القطاعات الإنتاجية.
كما أن الموقع الجغرافي للأردن يمنحه فرصة لتعزيز مكانته مركزاً إقليمياً للطاقة والخدمات اللوجستية والتجارة، وهو ما يجعل الاستثمار في مرافق التخزين، وشبكات النقل، والبنية التحتية للطاقة، جزءاً من رؤية استراتيجية تستهدف تحويل الموقع الجغرافي للمملكة إلى ميزة اقتصادية مستدامة تدعم النمو وتعزز دور الأردن الإقليمي.
أما من المنظور الاستراتيجي، فإن الدول التي تمتلك احتياطيات كافية من الطاقة والغذاء، وتتمتع بمنظومات نقل وتخزين متطورة، وتستثمر في إدارة المخاطر والتخطيط الاستباقي، تكون أكثر قدرة على حماية قرارها الوطني والمحافظة على استقرارها الداخلي في أوقات الأزمات، ولذلك أصبح أمن الطاقة والأمن الغذائي جزءاً أساسياً من منظومة الأمن القومي بمفهومها الشامل، وأحد أهم مقومات ما يعرف اليوم بـ'اقتصاد الصمود'، الذي يقوم على تعزيز قدرة الدولة على الاستمرار والتكيف مع مختلف المتغيرات.
في المحصلة، تؤكد التوجيهات الملكية أن الأردن يواصل بناء منظومة وطنية أكثر جاهزية ومرونة في مواجهة التحديات، من خلال التخطيط الاستباقي، وتنويع مصادر الطاقة، وتعزيز المخزون الاستراتيجي، وتطوير الشراكات مع القطاع الخاص، ورفع كفاءة البنية التحتية، وهي رؤية تنظر إلى أمن الطاقة والغذاء باعتبارهما استثماراً طويل الأمد في استقرار الدولة، وحماية الاقتصاد، وصون حياة المواطنين، وترسيخ قدرة المملكة على مواجهة عالم تتزايد فيه المخاطر وتتسارع فيه التحولات، بما يعزز استدامة التنمية ويحافظ على استقلال القرار الوطني ويؤسس لاقتصاد أكثر صلابة وقدرة على مواجهة المستقبل.