كتاب

الملك.. والرؤية التي انتصرت

لم تعد الحروب تُخاض بالدبابات والطائرات والصواريخ وحدها، بل أيضًا بالسلع الأساسية من قمح، وطاقة، وسلاسل توريد، وموانئ، ومضائق بحرية، فالدول التي لا تملك أمنها الغذائي، ولا تؤمن احتياجاتها الأساسية، تصبح سيادتها عرضة للاهتزاز مع أول أزمة، مهما امتلكت من أدوات القوة الأخرى، فكيف جنبت رؤية الملك الأردن هذه التحديات؟

هذه الحقيقة لم يكتشفها الأردن بعد كورونا، ولم يفرضها عليه مشهد الحرب الروسية - الأوكرانية، ولا التطورات المتلاحقة في غزة والإقليم، بل كانت جزءًا من رؤية ملكية مبكرة قرأت العالم قبل أن تتغير خرائطه، وأدركت أن القرن الحادي والعشرين لن يكون قرن الصراعات العسكرية التقليدية فحسب، بل قرن الصراع على الغذاء والطاقة والمياه والاقتصاد.

من هنا، يمكن قراءة الاجتماع الذي ترأسه جلالة الملك عبد الله الثاني لمتابعة إجراءات تعزيز أمن الطاقة والغذاء، والذي لم يكن اجتماعًا لمواجهة أزمة طارئة، بل محطة جديدة في مسار استراتيجي طويل، عنوانه بناء دولة قادرة على امتصاص الصدمات، لا دولة تنتظر وقوعها ثم تبحث عن حلول.

وفي خضم كل هذه العواصف، لم يكن الأردن يبحث عن حلول مرتجلة، لأن أساس البناء كان قد وُضع مسبقًا، ولهذا، ولله الحمد، لم نشهد نقصًا في السلع الأساسية، ولم تتحول الأسواق إلى ساحة هلع، ولم يكن المواطن الأردني رهينة لانقطاع الإمدادات كما حدث في أماكن عديدة حول العالم، وذلك كله ليس بسبب الحظ، وإنما بسبب التخطيط، والرؤية، والإصرار على أن يبقى الأمن الغذائي والأمن الطاقي جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن الوطني.

الرؤية الملكية التي كانت تتحدث قبل سنوات عن المخزون الاستراتيجي، وتنويع مصادر الطاقة، وتوسيع الاعتماد على البدائل المحلية، كانت ترى ما هو أبعد من المشهد اليومي، وكانت تقرأ التحولات الكبرى، وتستعد لعالم تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد، وتصبح فيه ناقلة نفط أو سفينة حبوب قادرة على تغيير معادلات دول بأكملها.

واليوم، يأتي التأكيد الملكي على تعزيز المخزون الاستراتيجي، ورفع جاهزية منظومة الطاقة، وتطوير إدارة المخزون الغذائي، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، باعتباره استمرارًا لنهج لا يتعامل مع الأمن الغذائي بوصفه ملفًا حكوميًا، بل باعتباره مسؤولية وطنية، واستثمارًا في استقرار الدولة، وحمايةً لقرارها المستقل.

خلاصة القول، الدول لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد، بل بما تمتلكه من رؤية، والأردن، بقيادة جلالة الملك، اختار منذ سنوات أن يبني هذه الرؤية على الاستعداد لا رد الفعل، وعلى التخطيط لا الارتجال، وعلى تحويل الأمن الغذائي وأمن الطاقة من ملفين خدميين إلى ركيزتين من ركائز الأمن الوطني والسيادة والاستقرار.