محليات

الأمن الغذائي.. رؤية ملكية تستند إلى الاستباق والمخزون الاستراتيجي

وجه جلالة الملك عبدالله الثاني إلى اتباع نهج استباقي لتعزيز الأمن الغذائي في المملكة، يقوم على ضمان أن يكون المخزون الغذائي كافيا وآمنا، بما يغطي الاحتياجات لفترات زمنية آمنة، مع مواصلة دراسة الأسواق وسلاسل التوريد والإنتاج المحلي وإدارة المخزون، والاستعداد للتعامل مع ارتفاع الأسعار الذي قد يسبق الأزمات أو يتزامن معها أو يعقبها، بما يحمي المواطنين ويعزز قدرة الأردن على مواجهة الصدمات والتطورات الإقليمية والدولية.
ويأتي ذلك عقب ترؤس جلالة الملك عبدالله الثاني اجتماعا لمتابعة إجراءات الحكومة لتعزيز أمن الطاقة والغذاء، حيث يؤكد هذا النهج أن تعزيز الأمن الغذائي يتجاوز مجرد توفير السلع، إلى بناء مخزون استراتيجي كاف وآمن، ومتابعة الأسواق والإنتاج المحلي وسلاسل التوريد بصورة مستمرة، إلى جانب إعداد خطط استباقية تضمن استدامة الإمدادات وتعزز قدرة المملكة على التعامل مع الأزمات وتداعياتها قبل وقوعها وخلالها وبعدها.
وقال وزير الزراعة الدكتور صائب خريسات، إن جلالة الملك اطلع على اجراءات الحكومة من أجل حماية الأمن الغذائي والخطط الاستباقية لذلك وإدارة المخزون وأهمية الشراكة مع القطاع الخاص، مبينًا أن جلالته أكد ضرورة أن يكون المخزون كافيًا ومتوفرًا بشكل مستمر، وان يكون آمنًا وسليمًا.
وأضاف ان هناك اجتماعات مستمرة للمجلس الأعلى للأمن الغذائي ومنها مخصص لوضع الخطط بشكل مستمر لتأمين مخزون استراتيجي وبأسعار معقولة، وقد حقق الأردن اكتفاء ذاتيًا بعدد من السلع الزراعية ومنها الخضار والفواكه بنسبة وصلت في بعضها إلى 119 بالمئة، وبعد توفرها تم فتح باب التصدير للفائض عن الحاجة دعمًا للمزارعين، وقد ارتفعت الصادرات لهذا العام بنسبة 18 بالمئة خلال النصف الأول من العام 2026 مقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي.
وبين أن الخطط الحكومية في الأمن الغذائي تراعي احتياجات الاستهلاك، ومن خلال الرزنامة الزراعية التي تجتمع اسبوعيًا في الوزارة يتم مراقبة الأسواق من خلال كميات الانتاج والاستهلاك والتصدير واتخاذ القرارات المناسبة بما يحمي المخزون الغذائي لفترات زمنية آمنة وكافية.
وأوضح أن أخر التقارير الدولية الصادرة قبل أيام عن منظمة الأغذية والزراعة 'الفاو' تشير إلى أن الأردن في موقع متميز في عدد من المؤشرات والغذاء الصحي وسلامة الغذاء، وهذه التقارير يتم نشرها بعد مراقبة الانتاج والمخزون وعدد كبير من المعايير التي حققها الأردن بعد قيامه بتنفيذ استراتيجيات واضحة ومحوكمة وتأمين الغذاء الآمن والسليم والمحافظة على سلامة وصحة الغذاء.
وأكد أن الأردن شهد هذا العام وفرة في انتاج المحاصيل الزراعية حيث وصل انتاج الأردن حتى اليوم إلى 120 ألف طن من القمح والشعير ومن المتوقع أن يصل الانتاج إلى 130 ألف طن خلال الأيام المقبلة، وبزيادة وصلت إلى ثلاثة أضعاف عن الأعوام الماضية، وقامت الحكومة بدعم المزارعين وشراء الطن الواحد ب 520 دينارا للطن الواحد رغم أن السعر العالمي 270 دينارا وهذا لتشجيع المزارعين على زراعة المساحات التي يملكونها بهذه المحاصيل الاستراتيجية.
وقال إنَّ لدينا محصول آمن لمدة عام كامل، ويعتبر توفر المخزون من 3-4 أشهر كافي لكن الأردن وصل إلى مخزون آمن جدا ولعام كامل، مشددا على أن جلالة الملك ركز في حديثه على سلامة الغذاء ووفرته، وهنا تقوم وزارة الزراعة بإجراءات دقيقة لمراقبة المخزون ومن بينها اللحوم والتي تخضع لرقابة صارمة جدا ودقيقة.
وأكد أن جلالة الملك تحدث عن إدارة المخزون وهنا تقوم الحكومة بشكل مستمر بمراقبة المخزون وتعويض الاستهلاك وربط هذا المخزون بفترات زمنية آمنة وكافية، وتقوم الحكومة بتأمين المخزون أولا باول.
وختم خريسات حديثه بالقول إن جلالة الملك دائما يؤكد على أهمية الشراكة مع القطاع الخاص وهذا ما تقوم به الحكومة حيث إن العلاقة مع هذا القطاع تكاملية وبأعلى درجات التنسيق والدعم وصولا إلى مخزون آمن وكافي وبشكل مستمر ودائم.
سفير منظمة الأغذية والزراعة في الأمم المتحدة سابقا والأمين العام للتحالف الوطني لمكافحة الجوع الدكتور فاضل الزعبي قال إنَّ حديث جلالة الملك اليوم يشكل حوكمة استراتيجية لمواجهة صدمات وأزمات لم تقع بعد، وإدارة المخزون الخاص بالأمن الغذائي وفق بنك معلومات مستمر عن الأحداث في المنطقة والإقليم والعالم وتجهيز الأردن لكل الاحتمالات.
وأضاف أنَّ الحس العالي لجلالة الملك مستمر في ما يتعلق بالأمن الغذائي منذ العام 2008 عندما حدثت الازمة الاقتصادية الكبرى ثم أزمات اللجوء وأزمة كورونا والأزمة الروسية الأوكرانية وأحداث السابع من أكتوبر والحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية وأزمة مضيق هرمز وتضرر سلاسل التوريد، وبرؤية ملكية استطاع الأردن ان يكون حاضرًا وآمنًا غذائيًا.
وبين أن الأردن يتقدم بأربع مؤشرات في الأمن الغذائي على مستوى العالم وفي كل أزمة كان يحقق العلامة الكاملة في هذا المخزون، حيث إن المخزون في بعض السلع كافي لمدة 12 شهرًا وهذا ممتاز جدا حسب المعايير والمؤشرات العالمية، ويتفوق على مستوى الإقليم في أمنه الغذائي رغم كل الأزمات التي حدثت.
وأكد أن الأردن لم يتقدم في هذه المؤشرات عبثا بل نتيجة تخطيط سليم على كل المستويات عبر منظومة حماية اجتماعية متطورة وكرامة المواطن وحمايتها، واتباعه لسياسة المخزون الاستراتيجي التي تغطي حتى 12 شهرا، والبيئة الصحية المحصنة.
وأكد ان جلالة الملك أشار بوضوح إلى كلمتين أساسيتين في الامن الغذائي بأن يكون: كافيًا وآمنا وهاتين الكلمتينن تعنيان أنَّ يكون المخزون كافيًا من 8-10 أشهر وآمنًا لمدة 12 شهرًا والعمل بناء على ذلك في دراسة الأسواق وسلاسل التوريد والانتاج المحلي والمخزون وكيف يتم التعامل مع ارتفاع الأسعار وحماية المواطنين من هذا الارتفاع الذي يعقب أو يتخلل أو يسبق الأزمات التي تعصف بالمنطقة.
وأكد أن جلالة الملك ركز على الخطط الاستباقية للأمن الغذائي وهي مهمة جدا لحماية المخزون وحماية خزينة الدولة من التعرض للإرتفاع الحاد في الأسعار، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص لتأمين المخزون وتخزينة وتطوير استراتيجيات إدارته هذه الحوكمة الملكية تجعل العمل على هذا الملف الحساس جدا في سلم الأولويات للدولة الأردنية.
ووضع الأردن منذ أزمة فيروس كورونا وبتوجيه مباشر من جلالة الملك استراتيجية وطنية للأمن الغذائي تمتد لتسع سنوات بدأت من العام 2021 – 2030 وركزت على أنَّ القطاع الزراعي هو الركيزة الأساسية للأمن الغذائي وفي الدول التي تعاني من التحديات المائية كالأردن، تزداد مشاركة القطاع الخاص الصناعي والتجاري في توفير الغذاء واستدامته والذي عانى من الأزمات الناجمة عن العنف في الإقليم والهجرات القسرية للبشر من مختلف الأقطار المجاورة والبعيدة، إضافة إلى التغيرات المناخية والتي تشكل عامل ضغط آخر على الإنتاج الموجه للغذاء.
والتزمت المؤسسات الأردنية بتنفيذ بنود هذه الاستراتيجية والعمل على الخطط الاستباقية واستطاع الأردن من تجاوز أزمة فيروس كورونا والآثار الناجمة عن الأحداث الإقيمية والتي ما زالت مستمرة، والأزمة الروسية الأوكرانية، وجميع هذه التأثيرات دفعت الأردن إلى التكيف مع كافة المتغيرات والتأثير المستقبلي لهذه التحديات من خلال الشراكة الوثيقة بين القطاعين العام والخاص لتوفير الغذاء لكافة المقيمين على الأراضي الأردنية بجودة عالية وسعر مقبول بالرغم من تأثير التضخم على كافة السلع.
عام 2020 قدم جلالة الملك مرتكزات في حوار بورلوغ أصبحت خارطة طريق لتوجيه الأقطار العالمية والإقليمية لمواجهة الأزمات وتأثيرها على الأمن الغذائي، وقد أخذت الحكومة الأردنية هذه المرتكزات على عاتقها للمضي قدماً في إعداد الإستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي وخطتها التنفيذية، والتي بدأت بتشكيل اللجنة الوطنية للأمن الغذائي وبالتشارك مع كافة الوزارات والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية وشركاء التنمية.
واستطاع الأردن مأسسة الأمن الغذائي من خلال إنشاء المجلس الأعلى للأمن الغذائي، وانعكس كذلك في تحسن أداء الأردن على المؤشرات الدولية للأمن الغذائي، وأصبح هماً وطنياً، نتيجة لعمليات التحضر والعولمة، وتأثيرات التغير المناخي، والزيادات والتذبذب في الأسعار العالمية، وأزمة اللجوء السوري يذكر أن أول سياسة زراعية أردنية تم إعدادها كانت عام 1992، وركزت حينها على موضوع الأمن الغذائي، وأجريت العديد من التقارير والدراسات حول موضوع الأمن الغذائي بطلب من بعض الجهات المحلية والدولية، وتعد استراتيجية الأمن الغذائي الأردنية استجابة مباشرة للحاجة الملحة والأولوية المعطاة للأمن الغذائي على أعلى المستويات في الأردن، وانطلاقة للعمل الوطني والدولي المشترك لتكون جزءاً لا يتجزأ وشرطاً مسبقاً للأمن الوطني والإنساني والإقليمي.
وسعت الاستراتيجية إلى أن يصبح الأردن مركزاً إقليمياً وإستراتيجياً للأمن الغذائي؛ إذ سيكون مركزاً للتخزين، وتوفير الخدمات اللوجستية، والإنتاج الزراعي، وتصنيع الأغذية، وأنظمة الري والبيوت الزراعية، ونقل المعرفة والتقنيات الحديثة، ومركزاً لتقديم خدمات الطوارئ لدول الإقليم.