سياسات اقتصادية حكيمة عززت قدرة المملكة على مواجهة الصدمات
في منطقة لا تكاد تهدأ فيها الأزمات، ويُعاد فيها رسم المشهد الاقتصادي مع كل تصعيد سياسي أو عسكري، يواصل الأردن تقديم نموذج مختلف في إدارة التحديات، قائم على المرونة الاقتصادية، والقدرة على امتصاص الصدمات، والحفاظ على الاستقرار المالي والاجتماعي رغم محدودية الموارد وارتفاع كلف الاستيراد، وفي مقدمتها الطاقة.
ولعل قرار الحكومة تثبيت أسعار المشتقات النفطية لشهر آب، رغم ارتفاع أسعار النفط العالمية، لم يكن مجرد إجراء يتعلق بالمحروقات، بل حمل رسالة اقتصادية أوسع مفادها أن الحفاظ على استقرار السوق المحلي وحماية القوة الشرائية للمواطن يمثلان أولوية في هذه المرحلة التي تشهد اضطرابات إقليمية غير مسبوقة.
ويرى خبراء اقتصاديون أن الأردن نجح خلال السنوات الماضية في تجاوز سلسلة من المعيقات الإقليمية والعالمية، بدءًا من تداعيات الجائحة، مرورًا بالأزمات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل التوريد، وصولًا إلى التقلبات المستمرة في أسعار الطاقة، دون أن يفقد استقراره المالي أو النقدي، وهو ما يعكس متانة الاقتصاد الوطني وقدرته على التكيف مع المتغيرات.
وزير الدولة الأسبق للشؤون الاقتصادية الدكتور يوسف منصور يؤكد أن تثبيت أسعار المحروقات في الظروف الحالية يحقق فوائد اقتصادية قصيرة الأجل تفوق الكلفة المالية التي قد تتحملها الحكومة، موضحًا أن هذه السياسة تمنع انتقال الصدمات الخارجية إلى الاقتصاد المحلي، وتحول دون انتقال الارتفاع العالمي في أسعار الطاقة إلى أسعار السلع والخدمات داخل المملكة.
ويشير منصور إلى أن الوقود يدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في معظم الأنشطة الاقتصادية، سواء في النقل أو الصناعة أو الزراعة أو الخدمات، وبالتالي فإن تثبيت أسعاره يحد من الضغوط التضخمية، ويحافظ على القوة الشرائية للأسر، ويمنح المستهلكين والشركات درجة أكبر من الوضوح والاستقرار في اتخاذ قراراتهم الاقتصادية.
ويضيف أن هذا القرار ينعكس إيجابًا على القطاع الصناعي من خلال الحفاظ على هوامش الربح والقدرة التنافسية، كما يدعم قطاع النقل ويحد من انتقال ارتفاع التكاليف إلى بقية القطاعات الاقتصادية، فضلًا عن دوره في تعزيز ثقة المستثمرين واستقرار البيئة الاستثمارية.
ويعتبر منصور أن الحكومة تتبنى منذ بداية عملها نهجًا يركز على تحفيز النمو الاقتصادي باعتباره المدخل الرئيس لمعالجة التحديات الاقتصادية المختلفة، مشيرًا إلى أن منح المواطنين والمنتجين حالة من الطمأنينة في ظل التقلبات العالمية ينعكس إيجابًا على النشاط الاقتصادي ويخفف من الضغوط التضخمية.
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي حسام عايش أن قرار تثبيت أسعار المشتقات النفطية يعكس تفاعل الحكومة مع الأوضاع المعيشية للمواطنين، خاصة في ظل استمرار ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا وتأثر الأردن بذلك باعتباره يستورد معظم احتياجاته النفطية.
ويبين عايش أن القرار يعني عمليًا تحمل الحكومة جزءًا من كلفة الارتفاع خلال شهر آب، بهدف تخفيف الأعباء عن المواطنين والقطاعات الاقتصادية، لافتًا إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن نهج حكومي يوازن بين الاستقرار المعيشي والمحافظة على النشاط الاقتصادي والاستثماري.
ويؤكد أن الطاقة تعد أحد أهم محركات الاقتصاد، وبالتالي فإن الحد من ارتفاع كلفها يسهم في دعم الاستهلاك والاستثمار والإنتاج، كما يساعد الأسر على مواجهة الالتزامات الموسمية، خاصة مع اقتراب العودة إلى المدارس وما يرافقها من نفقات إضافية.
ويشير إلى أن الأثر الاقتصادي الإيجابي لهذا القرار قد يعوض جانبًا من الكلفة المالية التي تتحملها الحكومة، إذا ما أسهم في تنشيط الأسواق والحفاظ على مستويات الإنفاق والاستهلاك، مؤكدًا في الوقت نفسه أهمية استمرار المحافظة على الاستدامة المالية وعدم الإخلال بفرضيات الموازنة العامة.
أما الخبير الاقتصادي الدكتور عدلي قندح، فيرى أن القرار يمثل خطوة مهمة في إطار إدارة الصدمات الخارجية، موضحًا أن أسعار الطاقة من أكثر المتغيرات تأثيرًا في الاقتصاد الوطني، وأن تثبيت أسعارها يحد من انتقال التضخم المستورد إلى السوق المحلية.
ويؤكد قندح أن استقرار أسعار المحروقات يمنح القطاعات الاقتصادية المختلفة قدرة أكبر على التخطيط، ويقلل من حالة عدم اليقين التي تواجه الشركات، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على الصناعة والزراعة والسياحة والنقل والخدمات، ويحافظ على تنافسية الاقتصاد الوطني.
كما يشدد على أن نجاح مثل هذه السياسات يتطلب إدارة مالية دقيقة تحقق التوازن بين حماية المستهلك والحفاظ على الاستدامة المالية، مؤكدًا أن الأردن استطاع خلال السنوات الماضية بناء نموذج اقتصادي قائم على الاستقرار النقدي والمالي وتعزيز القدرة على مواجهة الصدمات الخارجية.
بدوره، يصف الخبير الاقتصادي إياس الشعيبي الأردن بأنه يقدم نموذجًا تنمويًا فريدًا في المرونة الاقتصادية وسط إقليم يشهد توترات متواصلة، معتبرًا أن قرار تثبيت أسعار المحروقات يعكس رؤية حكومية تجمع بين البعدين الاجتماعي والمالي.
ويقول إن القرار وفر حالة من الاستقرار المؤقت للأسواق والقطاعات الاقتصادية، وساعد في الحد من تأثير تقلبات أسعار الطاقة على الصناعة والنقل والخدمات، وهو ما يمنح الاقتصاد مساحة أكبر للتكيف مع التطورات الإقليمية.
وفي المقابل، يلفت الشعيبي إلى وجود تحديات مالية يجب التعامل معها، أبرزها تأثير تثبيت الأسعار على إيرادات الخزينة، داعيًا إلى تطوير آليات أكثر استهدافًا للدعم مستقبلًا بحيث يوجه للفئات الأكثر احتياجًا والقطاعات الإنتاجية الأكثر تأثرًا، بما يحقق أعلى عائد اقتصادي دون الإضرار بالاستدامة المالية.
ويجمع الخبراء على أن ما يميز التجربة الأردنية ليس غياب التحديات، وإنما القدرة على إدارتها بكفاءة، فالمملكة تواجه ظروفًا إقليمية معقدة وتقلبات في أسعار الطاقة وتحديات اقتصادية عالمية، لكنها تمكنت من المحافظة على استقرارها النقدي والمالي، والاستمرار في تنفيذ برامج الإصلاح وتحفيز النمو، مع الحفاظ على التوازن بين البعد الاقتصادي والاجتماعي.
ويؤكدون أن مرونة الاقتصاد الأردني لم تعد مجرد شعار، بل أصبحت نهجًا عمليًا أثبت فاعليته في مواجهة الأزمات، حيث نجحت السياسات الاقتصادية في الحد من آثار الصدمات الخارجية، والحفاظ على ثقة المستثمرين، وضمان استمرار النشاط الاقتصادي رغم البيئة الإقليمية غير المستقرة.
وفي وقت تتغير فيه المعادلات الاقتصادية مع كل تطور سياسي في المنطقة، يواصل الأردن إثبات أن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بحجم موارده، بل بقدرته على إدارة الأزمات، وصناعة الاستقرار، وحماية مواطنيه وقطاعاته الإنتاجية. ومع استمرار تبني سياسات متوازنة تجمع بين الانضباط المالي والحماية الاجتماعية، يرسخ الأردن مكانته كنموذج تنموي مرن استطاع أن يحافظ على تماسكه في واحدة من أكثر البيئات الإقليمية تعقيدًا، مؤكدًا أن الاستثمار الحقيقي يكمن في اقتصاد قادر على الصمود مهما اشتدت التحديات.