اقتصاد

المنتدى الاقتصادي الأردني يبحث الأثر الاقتصادي لاستضافة اللاجئين ومسؤولية الشراكة الدولية


المنتدى: أعباء اللجوء لا ينبغي أن يتحملها الأردن منفرداً والدول المانحة مطالبة بالوفاء بالتزاماتها
ستافروبولـو: الأردن قدّم نموذجاً دولياً رائداً في حماية اللاجئين ودمجهم في أنظمة التعليم والصحة
ستافروبولـو: 210 آلاف لاجئ سوري عادوا إلى بلادهم منذ كانون الأول 2024 ونحو 393 ألف لاجئ ما يزالون مسجلين لدى المفوضية
تقديرات: عدد السوريين في الأردن يتجاوز المليون وليسوا جميعاً مسجلين لدى المفوضية
ستافروبولـو: اللاجئون يسهمون بنحو 2.3% من الناتج المحلي الإجمالي للأردن
ستافروبولـو: اللاجئون السوريون مسموح لهم بالعمل رسمياً في أربعة قطاعات رئيسية
ستافروبولـو: 34% من اللاجئين في سن العمل لديهم وظائف رسمية أو يعملون في السوق غير المنظمة
ستافروبولـو: اللاجئون يحصلون على مستوى الرعاية الصحية المتاح للأردنيين غير المؤمنين صحياً
ستافروبولـو: تراجع المساعدات الإنسانية والإنمائية من أخطر التحديات الراهنة
ملكاوي: ملف اللاجئين يرتبط مباشرة بالاقتصاد الوطني وسوق العمل والخدمات العامة
عقد المنتدى الاقتصادي الأردني، الأربعاء، جلسة حوارية ضمن برنامج «الصالون الاقتصادي»، بعنوان «اللاجئون في الأردن: بين الأثر الاقتصادي ومسؤولية الشراكة الدولية»، استضاف خلالها ممثلة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لدى الأردن ماريا ستافروبولـو.
وحضر الجلسة نائب رئيس المنتدى مازن الحمود، وعدد من أعضاء مجلس إدارة المنتدى والهيئة العامة. أكد المنتدى الاقتصادي الأردني أن الأردن تحمّل، على مدى سنوات، أعباء اقتصادية واجتماعية وخدمية كبيرة نتيجة استضافة اللاجئين، وهي أعباء لا ينبغي أن يتحملها منفرداً، حاثاً الدول والجهات المانحة على الوفاء بالتزاماتها تجاه اللاجئين في المملكة، وتوفير شراكة دولية أكثر استدامة وعدالة تدعم المجتمعات المستضيفة وتحمي قدرة الأردن على مواصلة دوره الإنساني، بالتوازي مع تهيئة الظروف الملائمة لعودة اللاجئين الطوعية والآمنة والمنظمة إلى بلادهم.
وقالت ستافروبولـو إن الأردن، منذ تأسيسه، اضطلع بدور بارز في استقبال اللاجئين وتوفير الحماية لهم، خصوصاً خلال العقود الأخيرة، مؤكدة أن المملكة جسدت على المستوى الدولي قيماً إنسانية مرتبطة بالحماية والكرامة واحترام حقوق الإنسان.
وأضافت أن هذا النهج يعكس القيم التي أكدها جلالة الملك عبدالله الثاني في مناسبات متعددة، مشددة على أن الدور الذي يؤديه الأردن في حماية اللاجئين يكتسب أهمية متزايدة، في وقت بات فيه الالتزام الدولي تجاه قضايا اللجوء والحماية الإنسانية موضع شك.
وأوضحت أن عدد اللاجئين المسجلين لدى المفوضية في الأردن انخفض بصورة ملحوظة في ضوء التطورات الأخيرة التي شهدتها سوريا، مبينة أن نحو 210 آلاف لاجئ سوري غادروا الأردن عائدين إلى بلادهم منذ كانون الأول 2024.
وقالت إن عدد اللاجئين المسجلين لدى المفوضية كان يقدر بنحو 640 ألفاً عند تسلمها مهامها في الأردن قبل عامين، فيما انخفض اليوم إلى نحو 393 ألفاً، ما يعني أن قرابة ثلث اللاجئين السوريين المسجلين غادروا المملكة.
وتشير التقديرات إلى أن عدد السوريين المقيمين في الأردن يتجاوز المليون، علماً بأنهم ليسوا جميعاً مسجلين لدى المفوضية.
واعتبرت ستافروبولـو أن هذا التحول يمثل تطوراً إيجابياً، لكنه يتطلب إدارة عملية العودة بصورة منظمة، بما يحول دون حدوث اضطرابات اقتصادية أو اجتماعية في الأردن أو سوريا.
وأكدت أن سوريا لا تزال تواجه تحديات أمنية خطيرة في بعض المناطق، إلى جانب الأعباء الاقتصادية الكبيرة، رغم نجاحها حتى الآن في تجنب السيناريوهات الأكثر خطورة التي كان يخشى كثيرون وقوعها.
وأكدت ستافروبولـو أن «الميثاق الأردني» ومؤتمر لندن لعام 2016 شكّلا اثنين من أبرز الإنجازات المشتركة بين الأردن والمجتمع الدولي في التعامل مع أزمة اللجوء السوري.
وقالت إن المبادرتين قدمتا نموذجاً دولياً مهماً للانتقال من الاستجابة الإنسانية الطارئة إلى مقاربة تربط بين الحماية والتنمية وتمكين اللاجئين من الاعتماد على الذات.
وأشارت إلى أن الأردن أدى دوراً ريادياً وشجاعاً من خلال إدماج اللاجئين، منذ مرحلة مبكرة، في أنظمة التعليم والصحة العامة وبعض الخدمات الاجتماعية، بدلاً من إنشاء أنظمة إنسانية موازية ومكلفة يصعب استمرارها على المدى الطويل، إلى جانب تبني العديد من السياسات الداعمة للاجئين، التي أسهمت في تحسين ظروف حياتهم.
وبينت أن هذه التجربة أتاحت للمجتمع الدولي استخلاص دروس مهمة جرى نقلها لاحقاً إلى دول أخرى مستضيفة للاجئين.
وقالت إن إدماج اللاجئين في المؤسسات الوطنية ساعد على توجيه التمويل الدولي لدعم الأنظمة القائمة، بدلاً من إنشاء هياكل منفصلة لا تعود بفائدة مستدامة على المجتمعات المستضيفة.
وأشارت ستافروبولـو إلى أن الخدمات الصحية داخل بعض مخيمات اللاجئين ما تزال تعتمد بدرجة أكبر على أنظمة إنسانية موازية، الأمر الذي يفرض تحديات مرتبطة بالتمويل والاستدامة، في وقت يواجه فيه القطاع الإنساني تراجعاً كبيراً في المساعدات الدولية.
وفيما يتعلق بسوق العمل، أوضحت أن اللاجئين السوريين سُمح لهم بالعمل بصورة رسمية ضمن أربعة قطاعات رئيسية، هي الزراعة والإنشاءات والصناعات التحويلية وبعض الأنشطة الخدمية.
وقالت إن مسوحات المفوضية تظهر أن نحو 34 في المئة من اللاجئين في سن العمل لديهم وظائف، سواء بصورة رسمية أو ضمن سوق العمل غير المنظم.
وأكدت أن تمكين اللاجئين من العمل يشكل أهمية اقتصادية وإنسانية، لأنه يوفر لهم دخلاً يحد من اعتمادهم على المساعدات، ويتيح لهم المساهمة في الدورة الاقتصادية.
وأضافت أن دراسة أجراها البنك الدولي عام 2023 أظهرت أن السماح للاجئين بالعمل حقق وفورات كبيرة في الاحتياجات الإنسانية.
وبينت أن منع اللاجئين من العمل كان سيتطلب توفير مساعدات إضافية بقيمة تقارب 860 مليون دولار سنوياً، وهي مبالغ لم تكن متاحة أساساً للمنظمات والجهات الإنسانية.
وأشارت إلى أن اللاجئين الحاصلين على تصاريح عمل يسهمون في الضمان الاجتماعي، إلا أنهم يمثلون نسبة محدودة من إجمالي القوى العاملة من اللاجئين.
ولفتت إلى أن أعداد تصاريح العمل الصادرة للاجئين السوريين تراجعت بصورة واضحة خلال العامين الماضيين، بعد انتهاء مشروع كان يساهم في دعم رسوم إصدارها.
وبينت أن اللاجئ كان يدفع في ظل المشروع رسوماً رمزية للحصول على تصريح العمل، بينما أصبح مطالباً بعد انتهائه بدفع الرسوم الكاملة، التي قد تصل إلى نحو 500 دينار، في وقت يتراوح فيه متوسط الدخل الشهري لكثير من اللاجئين العاملين بين 200 و290 ديناراً.
وقالت إن هذه المعادلة تضع اللاجئين في حلقة اقتصادية صعبة، إذ إن عدم القدرة على تحمل كلفة تصريح العمل يدفع بعضهم إلى العمل بصورة غير رسمية.
وأضافت أن ذلك يعرضهم لأجور أقل ومخاطر أعلى من الاستغلال، ويمنعهم في الوقت ذاته من الاشتراك في الضمان الاجتماعي والاستفادة من الحماية المرتبطة بالعمل الرسمي.
وأكدت أن الوصول إلى سوق العمل قضية معقدة لا تقتصر على البعد المالي، وإنما ترتبط أيضاً باعتبارات اقتصادية وسياسية، خصوصاً في دولة تواجه معدلات بطالة مرتفعة وتحديات متلاحقة أثرت في قدرة الاقتصاد على توليد فرص عمل جديدة.
وقالت إن هذه التحديات شملت جائحة كورونا، والحرب في غزة، والتوترات الإقليمية الأحدث.
وأضافت أن المفوضية نفذت حملات للتعريف بمزايا العمل القانوني والاشتراك في الضمان الاجتماعي، لكنها شددت على أن التوعية وحدها لا تكفي عندما يعجز العامل عن دفع رسوم تصريح العمل.
وحول التعليم، قالت ستافروبولـو إن الأطفال اللاجئين المسجلين لدى المفوضية، ممن يمتلكون الوثائق المطلوبة، يستطيعون الالتحاق بالمدارس الحكومية.
وأوضحت أن المشكلات التي تظهر في هذا المجال تكون عادة محدودة ومحلية، وترتبط في بعض الحالات بعدم وضوح الإجراءات والتعليمات لدى بعض إدارات المدارس، وغالباً ما تجري معالجتها.
أما في القطاع الصحي، فأوضحت أن اللاجئين يحصلون على مستوى الوصول نفسه المتاح للمواطن الأردني غير المؤمن صحياً.
وقالت إن هذه الخدمات ليست مجانية بالكامل، لكنها مدعومة من خلال حسابات متعددة المانحين تساهم فيها الجهات الدولية، بما يدعم قدرة النظام الصحي الأردني على استيعاب الضغوط الإضافية.
وأشارت إلى أن بعض اللاجئين يواجهون مشكلات إجرائية، أو يتأخرون في الحصول على الوثائق المطلوبة إلى حين حدوث حالة صحية طارئة، ما قد يضطرهم إلى اللجوء إلى مقدمي خدمات من القطاع الخاص وتحمل ديون مرتفعة.
ووصفت ستافروبولـو التراجع الحاد في المساعدات الإنسانية والإنمائية الخارجية بأنه أحد أخطر التحديات الراهنة.
وقالت إن انخفاض التمويل أثر في وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، وانعكس بالتالي على مستوى الخدمات والمساعدات المتاحة للاجئين.
وأكدت، في الوقت ذاته، أن تقييم الأثر الاقتصادي للاجئين يجب ألا يقتصر على الضغوط التي يفرضونها على موارد المياه والبنية التحتية والمدارس والمستشفيات.
وأضافت أن هذا التقييم ينبغي أن يأخذ في الاعتبار أيضاً مساهمات اللاجئين في الإنتاج والاستهلاك وسوق العمل.
وقالت إن اللاجئين السوريين جلبوا معهم مهارات يحتاجها سوق العمل الأردني، خصوصاً في قطاعي الإنشاءات والزراعة، وأسهموا في سد فجوات مهنية وإنتاجية، مشيرة إلى تقديرات تظهر مساهمة ملحوظة للعمال السوريين في الإنتاج الزراعي.
وأضافت أن الدخل الذي يحصل عليه اللاجئون، سواء من العمل أو المساعدات الإنسانية، يعاد إنفاقه داخل الاقتصاد الأردني من خلال شراء السلع والخدمات، ودفع الإيجارات والضرائب غير المباشرة، بما فيها ضريبة المبيعات.
وأشارت إلى دراسة أجرتها مجموعة بوسطن الاستشارية عام 2023، خلصت إلى أن مساهمة اللاجئين في الناتج المحلي الإجمالي للأردن بلغت نحو 2.3 في المئة.
وأكدت أن هذه النسبة لا يمكن اعتبارها هامشية عند دراسة الأثر الاقتصادي الشامل لاستضافة اللاجئين.
ولفتت إلى أن عودة أعداد كبيرة من السوريين بدأت تؤثر في بعض القطاعات والمناطق.
وأكدت أن هذه التطورات تظهر الحاجة إلى مواصلة إدارة عملية الانتقال والعودة بصورة منظمة، بما يحد من الاضطرابات التي قد تصيب سوق العمل والقطاعات الإنتاجية.
من جهته، قال نائب رئيس المنتدى الاقتصادي الأردني مازن الحمود إن تجربة عام 2016 ركزت على تحويل اللاجئ من متلقٍ للمساعدات إلى شخص قادر على العمل وتحقيق الدخل وتغطية احتياجاته.
وأضاف أن هذه المقاربة أعادت الأموال إلى الدورة الاقتصادية، وخففت الضغط على التمويل الإنساني.
وأشار الحمود إلى أن الميثاق الأردني ربط بين توفير فرص العمل للاجئين السوريين وتسهيل وصول المنتجات الأردنية إلى الأسواق الأوروبية، من خلال تبسيط قواعد المنشأ للمنشآت التي تشغل نسباً محددة من العمالة السورية.
وأوضح أن التطبيق بدأ باشتراط وصول نسبة العمالة السورية إلى نحو 30 في المئة من القوى العاملة في المصانع المستفيدة، قبل خفضها لاحقاً إلى نحو 15 في المئة.
وأشار إلى أن عدد المصانع المسجلة والفاعلة ضمن هذه الترتيبات ارتفع من نحو 12 أو 13 مصنعاً إلى قرابة 38 مصنعاً.
وأكد الحمود أن التجربة الأردنية تحولت إلى نموذج قابل للدراسة والتطبيق في دول أخرى، لأنها حاولت الجمع بين المساعدات الدولية، وتوفير فرص العمل، وزيادة الصادرات، وتمكين اللاجئين من الاعتماد بصورة أكبر على أنفسهم.
وأدارت الجلسة عضو مجلس أمناء المنتدى، مؤسسة ومديرة مؤسسة «واصل للتوعية والتثقيف» لين ملكاوي.
وقالت ملكاوي إن ملف اللاجئين في الأردن لا يقتصر على البعد الإنساني، وإنما يرتبط بصورة مباشرة بالاقتصاد الوطني وسوق العمل والتعليم والصحة والإسكان والبنية التحتية ومستوى الخدمات العامة.
وأضافت أن الملف يرتبط أيضاً بمسؤولية المجتمع الدولي عن توفير دعم مستدام وعادل للدول المستضيفة للاجئين.
وقالت ملكاوي إن الأردن يستضيف حالياً قرابة 400 ألف لاجئ وطالب لجوء مسجلين لدى المفوضية، يشكل السوريون منهم نحو 94 في المئة.
وأشارت إلى أن أكثر من 80 في المئة من اللاجئين يعيشون داخل المدن والبلدات الأردنية، في حين يقيم نحو 18 في المئة فقط داخل المخيمات.