الرأي الثقافي

نضال برقان وتشكيل القصيدة

حين تخيط قميص الشعر بالقافية، وترسم بالحرف درب الخطى نحو التحليق البعيد، حين تصنع لطيور الحمَام عاطفةً وأغصاناً للسلام لتحط عليها، سنجد أن ما مضى كان أشباحنا، لا معنى لنا ولا وجود، نغتسل بكلماتك وتقرأ أرواحنا قصائدك، نعلو بعد أن كنا تحت سماء واحدة بمجاز خفيف خفيف.

بغتةً نزل المطر على قلبي، لم تكن عناوين دواوين أصدرها نضال برقان، بل كانت مسرى أحصنتنا نحو العلو الجميل: «مصاطب الذاكرة» (1999)، «مصيدة الحواس» (2003)، «مطر على قلبي» (2005)، «مجاز خفيف» (2010)، «ذئب المضارع» (2015)، «تحت سماء واحدة» (2023).

ثمة قصائد تشدك إليها عناوينها، موسيقاها، رهافتها، ولغتها. نحن مع بُرقان أمام اسم يقودنا إلى الارتباك، أمام شعر يدفع الروح للارتجاف، يستوقفنا ويعيدنا إلى إيقاع اللغة وعذوبة القافية. تمتد القافية وأصابع القصيدة إلى خيالنا، تشعل فيه الفوضى، وترتب الذكريات على رفوف الحنين، تهدهد على أرواح أرهقها الطريق. لقد برع شاعرنا في توظيف المطالع مستحوذاً على فكر المتلقي وشغفه، في تنوع راقٍ من الدلالات والصور التي تشكّل مجموعة منسجمة من اللوحات الإبداعية بريشة فنان قدير استطاع ترويض الكلمة وصياغتها في إطار حداثي مميز.

بُرقان في قصائده ينثر القمح لينمو في دواخلنا، ونحن دائماً على موعد مع الحصاد؛ نذهب معه إلى حيث تغفو الشمس في المغيب، ويستدير القمر في حضن الليل. مفردات طاعنة بالحب والشجن، وقافية من تنهيدات الفصول والوداع. إنه يمنح القارئ متعة التحليق والهبوط بغتةً، وعلى أرجوحة اللغة يأخذنا؛ بقلمه نسكن في بيوت من غيم وأحلام، وننصهر بنار الشوق والهيام، يدندن اللغة ويشدو الكلمات ويرش العطر على ثغر القصيدة كلما ابتسمت. نقرأ في ديوان «تحت سماء واحدة':

'أعرفُ أنّكِ في مكانٍ ما هنا

تُغنين للأملِ

وتُحيكين ملابسَ جديدةً للحقيقةِ

وتزرعين النجومَ في حوضِ النعناع

أعرفُ أنكِ كنتِ تودّين تقليمَ أظافرِ الحرب

قبل رحيلكِ

كنتِ تودّين تنظيفَ البلدِ من روائحِ الدماء

التي تُراقُ بمجّانيةٍ في كل مكان

كنتِ تودّين حمايةَ الأطفالِ

من عارِ الطائراتِ الحربية

وأعرفُ أكثرَ أنكِ الآنَ لستِ هنا».

إن قصائد بُرقان تشكل حكاية حب ملحمية عاصفة، يتقاطع فيها جمال الحب مع عنفه، ونسائمه مع عواصفه، وشهوة الكائن للوقوع في أسر الحب وتوقه إلى الحرية بعيداً عنه. وفي كل ديوان قدمه لنا، يُثبت أن الشعر ما زال قادراً على تقديم المدهش الأخاذ الذي يستولي على روح قارئه، ويفتح أبواباً جديدة له، ويدفعه لإعادة تجميع صورة حياته وتأمّلها وهو يعيش ويعايش حكاية حب من نوع فريد.

أما إذا كان العنوانُ عتبةً مهمةً على مشارف النّص ودرجةً أوليّة للولوج إلى أعماق النّتاج الأدبيّ، فإن مطالع القصائد هي المفاتيح السّحريّة لأصفاد النّص؛ لها جاذبيتها وإثارتها واستهلالها على المتلقّي في قراءته للعمل الأدبي. وعند الوقوف على عناوين قصائد بُرقان، نجد أنها الترياق للقصائد والمفتاح للدخول إلى عالم القصيدة. اختياره للعناوين ذكي وعميق، متناغمة متمّمة للقصيدة، وكأنه ينتمي إلى عالم الفلاسفة والصوفيين، يسيرُ على درب الأوائل ويُجاور خُطواتهم. نقرأ في ديوان «مجاز خفيف':

«على مهلٍ أتأملُ غيابكِ للمرة الألف

ما زلتِ مبهمةً

والمسافةُ في القلب واضحةٌ

كالصدى في الجوار

تقولين ما لا أرى من كلامٍ

وتمضين دون مصابيحَ في عتمةِ الحبِّ

لو تشرعين النوافذَ

لو تتركين الستائرَ تمضي مع الريحِ

لو تأخذين يدي في الطريق

كما يأخذُ النهرُ حلمَ التلالِ ويمضي إلى البحرِ

قد نستطيعُ الذهابَ سوياً».

تُعد أعمالُ نضال بُرقان مدخلاً لغويّاً واستشراقاً فكريّاً للمتلقّي، تحملُ ومضاتٍ دلاليّةً تُنير مداخل المحتوى وتتجلّى من خلالها فحوى وآفاق النّص، لتُتيحَ للقارئ التخيّل والإبحار في المضمون وفقَ منظوره الثقافيّ ومشاربه الأدبيّة وأبعاده التّحليليّة. وتأتي أعماله الشعرية لِتُجيبَ عن تساؤلاتٍ واستطلاعاتٍ أوليّة وفق رؤيةٍ شموليّة تتعدّى حدود الزمان والمكان والنظريات الفلسفية، تتعدد فيها الاستعارة والمجاز لكي تُبقي حيّزاً يتّسع لتصوّر القارئ في آفاقه التّحليليّة واستيعابه لجماليات الشّكل والمضمون في أُطرها الإبداعيّة والإشراقيّة.

يبدع بُرقان في أعماله الشعرية باستحضار اللغة الإنسانية الرهيفة، والكلمات المنتقاة بعناية شاعرٍ خفيف الروح، وإتقان اختيار الأضداد بتناغم في طيات القصيدة. ينجحُ في المزج بين الشّكل والجوهر، بين الصّمت والكلام، والسّماء والضّباب والعشق، وبين الموت والخلود! ويغوص في العواطف والأشواق، ويتوسّل الفرح والإشراق في عالمٍ مليءٍ بالشّر والآلام، الفواجع، والظلم والظلام. نقرأ في ديوان «مطر على قلبي':

'كلما مر بكاءٌ بي بكيت

كلما جفت سماءٌ ما.. انكسرت

كلما ضل كلامٌ سره

ومضى من غير معناه ضللت

كلما مر سحابٌ خلبٌ

صحتُ بالأرض: اشربيني.. وانهمرت

كلما فر منامٌ من يدي

كنتهُ دون سؤالٍ وانثنيت

صرخةٌ دون فمٍ ينحتها

منذ نزفٍ خلف ظهر الوقت صمتّ

ربما طيفاً وظلاً ربما

وكأني كنتُ غيري حين كنت

خارجاً من كل بيتٍ ودمي

للدجى للريح للبيداء بيت

هكذا.. أشرعُ جسمي كله

وأنا أعلمُ أن الريحَ موت».