الحلم والواقع كلمتان يجمعهما الحاضر المعاش والمستقبل المأمول، وبين هاتين الدفتين انطلق حلمي ليحاكي حلم الشاعر محمد جمال عمرو في مجموعته الشعرية «أحلام صغيرة».
بداية حملتني سحابة أحلام الشاعر المبدع وأبطاله الصغار، إلى وقفة مع كل حلم من هذه الأحلام الجميلة. وليكن حديثي عن هذه المجموعة الشيقة عبر محطات أولها: حرص الشاعر على واقعية أحلام أبطاله، حيث يتنقل وجمهوره من الأطفال في جولات شيقة، يعانقون فيها عبق الطفولة من جهة، وخيوط المستقبل من جهة أخرى، ليرسم كل منهم لوحته القادمة للمهنة والتخصص المراد، وما هو المأمول للمستقبل القادم.
مع كل حلم نجد طفلا حالما في كيان مستقل يجد فيه ذاته، يعانق من خلاله مزية ما أراد دون أن يغفل الشاعر عن عرض ذلك بأسلوب شائق لطيف. يسافر هو والقراء على بساط سحري حالم. تبدأ رحلته مع الطفلة «إلهام»، التي تحلم أن تصبح طبيبة، ويدير حوارا بينها وبين أمها، التي تقول لها: «أمي قالت: يا إلهام.. ما أجمل تلك الأحلام!».
ثم يحلق بنا عمرو إلى حلم «عامر» الذي يتمنى أن يصبح شاعرا، فتأتي نصيحة والده له ولكل من يساوره هذا الحلم: «قال أبي: مهلا يا عامر.. اقرأ حتى تصبح شاعر.. وأعرف أوزانا وبحورا.. كي تغدو يوما مشهورا».
وفي حلم آخر يقدم لنا الشاعر الطفل «فارس»، الذي يحلم أن يصبح سائق سيارة تصبح كالطيارة، تطير فوق الغيم بجناحين، وسرعان ما تقوده سحابة أحلامه إلى آفاق واسعة، وخيال أكثر عمقا: «هل تلعب معه الأطيار؟ وهل سيزور؟ وسيزار؟»، إلى أن يعود بنا إلى الواقع: «أغمض هذا الولد عيونه.. طلب إلى الأرض يعيدونه».
وأحلام الشاعر لا تقتصر على عالم البشر، بل يجد ملاذا لأفقه الواسع في عالم الحيوان، حيث يحدثنا عن أحلام الدولفين، ورغبته بأن يعمل في السيرك؛ ليسعد الأطفال، ثم ما يلبث أن يحلم بالعودة إلى وطنه «البحر': «لكن لو تدرون الآنا.. أحلم لو ألمح شطآنا.. وأعود هناك إلى البحر.. في صفحته الموجة تجري».
ومن الحالمين الطفل «ماهر»، الذي يتحدث عن والده النجار الماهر، الذي يسخّر ألواح الخشب، ويصنع منها الكراسي والأبواب الجميلة.
أما الطباخ في هذا الديوان، فتظهر صورته جلية من خلال حلم الطفل «سامر»، الذي يحدثنا عن والده الطباخ الماهر وهو يحذره من خطر الدخول إلى المطبخ، وفي ختام القصيدة يصف والده بقوله: «فأبي طباخ ممتاز، وله دوما أنا أنحاز.. يا طباخي ما أحلاك!.. يا أبتِ سلمت يمناك».
وللمعلم صانع الغد المشرق، نصيب من أحلام الشاعر وأبطاله، فأمنية الشاعر ورغبته في أن يكون معلما بقيمة ما يطرحه، تظهر على لسان طفل يقول لأصدقائه: «قلت: أنا أول متكلم.. أتمنى لو صرت معلم»، ويختم الشاعر قصيدته هذه بذكر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «أشرف من في الخلق معلم.. ربي صلِّ عليه وسلِّم».
وفي جولة أخرى بين عالم البشر والحيوان، عالم الواقع والحلم، يأخذنا الشاعر إلى فتاة تحلم بمنظار يكشف لها الأسرار من حولها: «ماذا لو عندي منظار.. يكشف لي كل الأسرار»، وتستعرض في حلمها ما يمكن أن تراه من خلال المنظار من أعمال وأفكار وتصرفات إيجابية أو سلبية، فتقول: «لكن حين أرى حسادا.. ضمروا في الداخل أحقادا.. أُشفق يا أصحاب عليهم.. أمضي بالإحسان إليهم».
ومن الحالمين في ديوان «أحلام صغيرة»، طفل يحلم أن يصبح طيارا في المستقبل، وعلى لسانه يوضح الشاعر في قصيدته «طيار المستقبل» طبيعة عمل الطيار: «سأكون الطيار الرائع.. ركابا أنقل وبضائع.. أمضي في الجو لساعات.. أنقلهم بين مطارات».
والجدير بالذكر أن للأحلام الشريرة والدعوة للحذر نصيباً في ديوان «أحلام صغيرة». حيث يقدم الشاعر هذه الرسائل الوعظية على شكل حوار بين الطفل «رامي» وشقيقته «نورة»، التي تحلم لو أنها عصفورة في عشها، وتصف ما تشاهده خلال هذا الحلم، ليداعبها «رامي» بحلمه الشرير بأن يصبح نسرا يخيف الأطيار والعصافير: «لو أني نسر في الجوّ.. بشموخ أسمو وعلوّ.. تخشاني كل الأطيار.. تهرب من قبضة منقاري». وهذا الحلم الشرير يغضب «نورة': «وهنا احتجت أختي نورة.. قالت: أحلامك شريرة.. نسرا لن تغدو لا تتعب.. لن أكمل حلمي لن ألعب».
لقد نجح الشاعر في رسم خيوط أحلام أطفاله، وهي أحلامنا جميعا، منذ كنا أطفالا.. وبين الواقع والحلم تبقى الطفولة هي الملاذ.