اقتصاد

من «زيارة الصين» إلى «معايشة الصين»: السياحة الوافدة تواصل كسب قلوب العالم

يشهد سوق السياحة الوافدة إلى الصين منذ بداية العام زخما متواصلا. وتشير البيانات إلى أن عدد الأجانب الذين دخلوا الصين عبر مختلف المنافذ خلال النصف الأول من عام 2026 بلغ 22.914 مليون شخصا ومرة، بزيادة قدرها 20.4% على أساس سنوي، فيما استفاد نحو 77.7% منهم من سياسات الإعفاء من التأشيرة، الأمر الذي جعل السفر إلى الصين أكثر سهولة ويسرا.

ومع دخول موسم العطلات الصيفية، واصلت السياحة الوافدة إلى الصين نموها بوتيرة متسارعة. فقد أصبحت أوروبا واحدة من أسرع أسواق السياحة نموا إلى الصين، إذ ارتفعت الحجوزات بنسبة 275% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فيما زادت مبيعات تذاكر السفر من فنلندا إلى الصين بمقدار 12.4 مرة، وتضاعف عدد المسافرين القادمين من اليونان مرتين تقريبا.

وفي الوقت نفسه، شهد إنفاق الزوار الأجانب داخل الصين نشاطا ملحوظا، مع اتساع خيارات الاستهلاك في مجالات الإقامة والمطاعم والتسوق والترفيه، لتتحول السياحة الوافدة إلى أحد المحركات الجديدة لتنشيط الاستهلاك.

غير أن الأرقام ليست وحدها ما يستحق التوقف عنده.
فالتحول الأبرز يتمثل في أن نظرة الزوار الأجانب إلى الصين لم تعد تقتصر على زيارة المعالم الشهيرة والتقاط الصور التذكارية، بل باتت تتجه بصورة متزايدة نحو معايشة الحياة الصينية واكتشاف تفاصيلها اليومية.

فبعد أن كانت برامج الرحلات التقليدية تزور سور الصين العظيم والمدينة المحرمة وجيش التيراكوتا وغيرها من الوجهات المعروفة، أصبح كثير من الزوار يفضلون اليوم التنقل بالقطارات فائقة السرعة ومترو الأنفاق، والتجول في الأسواق الليلية، واحتساء القهوة، وطلب الطعام عبر منصة الانترنت، واستخدام الدراجات التشاركية، والاندماج في إيقاع الحياة اليومية داخل المدن الصينية.

ولعل هذا التحول من «التقاط الصور» إلى «المعايشة» لا يعكس تغيرا في أسلوب السفر فحسب، بل يكشف أيضا عن تحول أعمق في عناصر الجاذبية التي تقدمها الصين للعالم.

ففي الماضي، كانت الصين تستقطب العالم بتاريخها العريق وحضارتها الممتدة ومناظرها الطبيعية الخلابة. أما اليوم، فإن أكثر ما يلفت انتباه الزوار هو صورتها الحديثة: دولة تتسم بالحيوية والانفتاح والكفاءة، وتوفر نمطا معيشيا متطورا وتجربة حضرية متكاملة.

فشبكة القطارات فائقة السرعة التي تسير بسرعة تصل إلى 350 كيلومترا في الساعة، وأنظمة الدفع الإلكتروني المنتشرة في المدن والأرياف، والمتاجر التي تعمل على مدار الساعة، وخدمات التوصيل السريعة، والحياة الليلية النشطة والخ كلها تفاصيل اعتاد عليها الصينيون، لكنها أصبحت بالنسبة إلى كثير من الزوار الأجانب اكتشافات جديدة تستحق المشاركة.

ولهذا، يردد كثير من صناع المحتوى الأجانب عبارة متشابهة بعد زيارة الصين، إن أكثر ما أدهشهم لم يكن معلما سياحيا بعينه، بل المدن نفسها، التي بدت لهم أكثر راحة وسهولة وحيوية مما كانوا يتوقعون.

وفي موازاة ذلك، تواصل الصين توسيع انفتاحها رفيع المستوى على العالم، مع العمل باستمرار على رفع مستوى سهولة السفر إليها وتعزيز الطابع الدولي لخدماتها السياحية، بما جعل فكرة زيارة الصين أقرب إلى الواقع من أي وقت مضى.
وخلال السنوات الأخيرة، واصلت الصين تحسين سياسات الإعفاء من التأشيرة، وتوسيع قائمة الدول المشمولة بها، إلى جانب تطوير منظومة الخدمات السياحية، من زيادة رحلات الطيران الدولية وتحسين إجراءات العبور في المنافذ، إلى تطوير خدمات الدفع بالبطاقات الأجنبية، وتيسير الدفع الإلكتروني، وتطوير خدمات استرداد الضرائب للمغادرين، واعتماد آلية «الشراء والاسترداد الفوري»، فضلا عن تعزيز الخدمات متعددة اللغات والمنصات والخدمات السياحية الموجهة للزوار الأجانب. وقد أسهمت هذه الإجراءات العملية في جعل السفر داخل الصين أكثر سهولة وراحة بالنسبة للزائر الدولي.

وإذا كانت هذه السياسات قد خفضت تكلفة الوصول إلى الصين، فإن ما يجعل الرحلة جديرة بالتجربة هو ما يكتشفه الزائر بعد وصوله.


فالزائر اليوم لا يكتشف المعالم السياحية فحسب، بل يختبر منظومة متكاملة من الخدمات العامة الحديثة، تشمل شبكة نقل متطورة، وبيئة اجتماعية آمنة ومنظمة، ومدنا تعمل بكفاءة، ومشهدا استهلاكيا متنوعا وغنيا. وهذه العناصر مجتمعة أصبحت تشكل أحد أهم مصادر التنافسية الجديدة للسياحة الصينية، وتنقل «السياحة في الصين» من مجرد مشاهدة المعالم إلى تجربة حياة متكاملة.

والأهم من ذلك أن هذه التجارب الحقيقية بدأت تغير الطريقة التي ينظر بها العالم إلى الصين.

فبعدما كانت وسائل الإعلام تمثل المصدر الرئيسي لمعرفة الصين، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي اليوم تتيح للزوار أنفسهم رواية قصصهم. وعلى منصات مثل TikTok، تحولت مقاطع الفيديو المصنفة تحت وسم China Travel إلى ظاهرة واسعة الانتشار، محققة أرقاما قياسية في المشاهدات والتفاعل.

وليس ما يمنح هذه المقاطع تأثيرها هو السرد الكبير أو الرسائل المعدة مسبقا، بل بساطة التجربة نفسها. فالمشاركون لا يقولون سوى: «كل شيء هنا مريح»، أو «الأماكن آمنة»، أو «الصين مختلفة تماما عما كنا نتخيل».

فمن «زيارة الصين» إلى «معايشة الصين»، لم يعد الزائر الأجنبي يحمل معه مجرد ذكريات رحلة، بل يعود أيضا بصورة أكثر واقعية عن المجتمع الصيني ومسار تنميته. ومع تزايد أعداد الزوار الذين يروون تجاربهم بأنفسهم، تترسخ لدى العالم صورة أكثر حيوية وواقعية وشاملا عن الصين، لا عبر الخطابات التقليدية، بل من خلال التجارب المباشرة بأنفسهم والتواصل الحقيقي بين الشعوب.