كتاب

من اقتصاد الكم إلى اقتصاد القيمة المضافة

غالباً ما يُنظر إلى ارتفاع الصادرات باعتباره مؤشراً مباشراً على نجاح السياسات الاقتصادية، ويُنظر إلى تسجيل أرقام قياسية في التصدير على أنه دليل على تحسن الأداء الاقتصادي. ورغم أن زيادة الصادرات تمثل بالفعل أحد أهم محركات النمو الاقتصادي، إلا أن الاقتصاد الحديث يميز بين النمو في قيمة الصادرات وبين النمو في القيمة المضافة التي تحققها تلك الصادرات للاقتصاد الوطني. فليست كل زيادة في الصادرات تنعكس بالقدر نفسه على النمو الاقتصادي أو التشغيل، لأن الأثر الحقيقي يتحدد بمدى احتواء هذه الصادرات على قيمة مضافة محلية، لا بمجرد ارتفاع قيمتها الإجمالية. فكلما ارتفعت المكونات المستوردة في الصادرات، انخفض الجزء الذي يبقى داخل الاقتصاد المحلي ويتحول إلى دخول وأجور وأرباح وفرص عمل.
يبرز هنا وبوضوح قطاع الألبسة والمنسوجات، الذي يعد أكبر القطاعات التصديرية الأردنية إلى الولايات المتحدة. فهذا القطاع استطاع خلال السنوات الماضية أن يحتل موقعاً مهماً في التجارة الخارجية، واستفاد أخيراً من إعفاء كامل من الرسوم الجمركية الأمريكية، وهو ما يعزز تنافسيته ويفتح المجال أمام توسع صادراته بصورة أكبر. إلا أن السؤال الاقتصادي الأهم يجب أن يكون، كم تبلغ القيمة الاقتصادية التي يحتفظ بها الأردن من كل دينار يتم تصديره؟
الإجابة عن هذا السؤال تقود إلى مفهوم اقتصادي بالغ الأهمية يعرف بالقيمة المضافة المحلية. فالقيمة المضافة لا تقاس بحجم الصادرات فقط، وإنما بما يساهم به الإنتاج المحلي من أجور، وأرباح، وخبرات، وتكنولوجيا، ومدخلات إنتاج وطنية. فإذا كان جزء كبير من المواد الخام مستورداً، وكانت الإدارة والاستثمار والأرباح تذهب إلى الخارج، وكانت مساهمة العمالة الوطنية محدودة، فإن الاقتصاد المحلي لا يستفيد إلا بجزء بسيط من القيمة الإجمالية للصادرات، مهما بلغت أرقامها.
ولهذا السبب، فإن الاقتصادات المتقدمة لم تعد تتنافس على زيادة الصادرات فقط، وإنما على زيادة القيمة المضافة التي تحتويها هذه الصادرات. فالهدف لم يعد إنتاج المزيد من السلع منخفضة القيمة، وإنما إنتاج سلع تعتمد على المعرفة والبحث العلمي والتكنولوجيا والابتكار، لأنها تحقق دخلاً أعلى، وتخلق وظائف أكثر جودة، وترفع إنتاجية الاقتصاد على المدى الطويل.
كل ذلك يفرض علينا إعادة النظر في أولويات السياسة الصناعية. فالأردن يمتلك مزايا نسبية في قطاعات تتجاوز الصناعات التقليدية، مثل الصناعات الدوائية، والأسمدة، والكيماويات، ومنتجات البحر الميت، والتعدين، والخدمات التكنولوجية. وهذه القطاعات تتميز بارتفاع القيمة المضافة، واعتمادها على المعرفة والبحث والتطوير، وقدرتها على تحقيق عوائد اقتصادية أكبر لكل وحدة يتم تصديرها، مقارنة بالقطاعات كثيفة العمالة منخفضة القيمة المضافة. مع التأكيد على الفرصه الكبيره لإحداث فارق في قطاع الألبسه والمسنوجات في حالة الانتقال الى زيادة نسبة المحتوى المحلي في العملية الانتاجية مع إحلال للعمالة الاردنية على حساب العمالة الأجنبية.
وتبرز كذلك أهمية توظيف القطاعات ذات الميزة التنافسية كورقة تفاوضية في العلاقات الاقتصادية الدولية. فالقطاع الدوائي الأردني، على سبيل المثال، يمتلك سمعة إقليمية ودولية جيدة، ويتميز بقدرات بحثية وإنتاجية متقدمة، وكان من الممكن أن يشكل أحد أهم عناصر القوة في أي مفاوضات تجارية مع الولايات المتحدة، سواء من خلال توسيع فرص النفاذ إلى الأسواق أو تعزيز التعاون في مجالات البحث والتطوير أو تسهيل اعتماد المنتجات الأردنية في السوق الأمريكية. ويعكس ذلك فهماً مختلفاً للتفاوض التجاري، يقوم على استثمار نقاط القوة محلياُ لتحقيق مكاسب اقتصادية طويلة الأجل.
ومن زاوية أخرى، فإن نجاح أي سياسة تصديرية يجب أن يقاس أيضاً بقدرتها على خلق فرص عمل نوعية للمواطنين. فالاقتصاد لا يستفيد فقط من زيادة الإنتاج، بل من نوعية الوظائف التي يخلقها هذا الإنتاج، ومستوى الأجور، ونقل المهارات، وبناء رأس المال البشري. وعندما ترتبط الصادرات بصناعات تعتمد على التكنولوجيا والابتكار، فإنها ترفع الطلب على العمالة الماهرة، وتدفع الجامعات ومراكز البحث إلى تطوير برامجها بما يتوافق مع احتياجات السوق، وهو ما يخلق دورة تنموية متكاملة تتجاوز مجرد زيادة الصادرات.
إن المرحلة المقبلة تفرض على الأردن الانتقال من التفكير في كم نصدر؟ إلى التفكير في ماذا نصدر؟ وكيف نصدر؟ وكم قيمة ما نصدره للاقتصاد محلياً؟ فهذه الأسئلة هي التي تحدد قدرة الاقتصاد على تحقيق النمو، وليس مجرد تسجيل أرقام أعلى في بيانات التجارة الخارجية.
مجدداً نؤكد أن إرتفاع الصادرات يمثل مؤشراً إيجابياً، لكنه لا يكفي وحده لبناء اقتصاد قوي. فالاقتصاد القادر على تحقيق معدلات نمو أعلى هو الاقتصاد الذي ينجح في تحويل صادراته إلى قيمة مضافة محلية، واستثمارات منتجة، ووظائف نوعية، ونقل للتكنولوجيا. لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام الأردن لا يتمثل في زيادة الصادرات فحسب، وإنما في إعادة هيكلة النموذج التصديري ليصبح قائماً على الصناعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، وتعميق المحتوى المحلي، واستثمار المزايا النسبية المحلية بصورة أكثر كفاءة. عندها فقط ستتحول التجارة الخارجية من مصدر للإيرادات إلى محرك حقيقي للنمو وبعدها للتنمية الاقتصادية.