كتاب

إرث موصول

تأسس هذا الوطن على مبادئ راسخة، في مقدمتها قيم ملوك بني هاشم المستندة إلى إرث عميق، وهي قيم ظلت موصولة وممتدة حتى اليوم.
وهي رسالة كرستها تقاليد راسخة في الحكم والتنشئة والإرث، ويمكن قراءة فلسفتها وعمقها في حاضر الأردن وتاريخه منذ التأسيس.
ويقول جلالة الملك عبد الله الثاني في كتابه 'فرصتنا الأخيرة'، وتحديداً في الفصل الثاني عشر المعنون 'على خطى القائد الأسطورة': 'في فتوّتي كنت مؤمناً بأن رسالتي في الحياة أن أكون جندياً، وأن أكون درعاً لوالدي وسيفاً يمتشقه متى شاء'. وهو فصل يحمل الكثير من الدلالات التي تعكس التنشئة العسكرية والسياسية لجلالته، وجانباً من علاقته بالمغفور له بإذن الله الملك الحسين بن طلال، وهي تنشئة راسخة في نهج ملوك بني هاشم.
لقد أسس الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، نهجاً مختلفاً عما ساد في أنظمة الجوار في عقود مضت، نهجاً قام على التقوى والتسامح والقيم السامية التي حافظت على إنسانية الأردن ووجهه الحضاري.
والمفارقة ليست في أن تصنع هذا النهج وقت المطالبة به، بل في أن تتقدم عليه، وهذا هو سر الملك الحسين؛ فقد كان متقدماً في طروحاته على ما يُطلب منه، مستشرفاً القادم ببصيرة.
إن مطالعة ما كُتب عن الأردن وتاريخه تُبرز ملامح هذا النهج في وقت مبكر من عمر الدولة. ونظرة سريعة إلى ما كتبه جاك أوكونيل عن الملك الحسين في كتابه 'مستشار الملك' - ورغم حاجة الكتاب إلى المراجعة الأكاديمية والبحثية - تظهر وجه التسامح الذي تأسس عليه الأردن؛ إذ يروي المؤلف أن أول لقاء له مع الملك شهد تسليمه قائمة تضم 22 شخصية معارضة، فعفا عنهم الملك جميعاً، بل وأوصلهم إلى منازلهم، في لفتة أثارت دهشة الكاتب المنتمي إلى ثقافة غربية ديمقراطية لم تكن قد تشكلت بعد في منطقتنا العربية.
كثيرون ممن كتبوا عن الأردن، وخاصة عن ملوك بني هاشم، رددوا مواقف يدركها الأردنيون أكثر من غيرهم. فلقد شهد المشهد السياسي تداولاً لشخصيات وقوى حملت شعارات مستوردة وحاولت صياغة تجارب 'معلبة' في وطننا، لكن في النهاية كان نهج ملوك بني هاشم وأسلوبهم القائم على الحوار هو المنتصر.
وهذا الإرث والنهج الموصول يستند في أساسه إلى مفردات شرعية هاشمية قامت على الانتماء للناس والالتصاق بمطالبهم والوقوف إلى جانبهم والسعي لتحقيق الرفاه للإنسان وبسط العدالة.
لقد مر الأردن على مدار الأعوام الماضية وما قبلها بظروف أصعب، لكنه كان في كل مرة يخرج أقوى مما كان. وهذه ليست سرديات تاريخية فحسب، بل هي وجدانيات تحققت وذخيرة من عبقرية متجذرة يدركها كل قارئ لتاريخ الدولة الأردنية.
فالأردن قاد ولا يزال يقود معركة الحفاظ على هوية القدس وعروبتها وإسلاميتها، وعلى مقدساتها الإسلامية والمسيحية. وهذا الجهد الأردني يتعزز اليوم ليصوغ معادلة مضادة تدحض خطاب التطرف ويمينه المتشدد بقوة التيار العقلاني، والأردن صاحب خبرة طويلة في الثبات على المبدأ.