الوطن ليس ساحة للمزايدات، ولا الانتماء يُقاس بمدى ارتفاع الصوت أو كثرة الصراخ، فالأوطان تُصان بالحكمة، وتُحمى بالوعي، وتُبنى بتكاتف أبنائها لا بتخوين بعضهم بعضًا.
لم نسمع تلك الأصوات العالية وهي تدين الاعتداءات التي تستهدف أمن الأردن واستقراره، ولم نرَ تلك الحناجر الغاضبة حين كان الوطن بحاجة إلى كلمة حق وموقف واضح. لكنها ترتفع حين يكون المطلوب التشكيك وإثارة الفتن وضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات وطنه.
هل أصبح المطلوب من المواطن أن يجلد وطنه، وأن يطعن في مواقفه، وأن يتنكر لتحالفاته وعلاقاته الدولية حتى يرضي أصحاب الأجندات الضيقة ومن يرددون أفكارًا ثبت فشلها وعقمها؟
إن العالم اليوم لا يُدار بمنطق العزلة والانغلاق، بل بمنطق المصالح والتحالفات والتوازنات. فالدول القوية هي التي تعرف كيف تحمي أمنها وتصنع علاقاتها بما يخدم شعبها وسيادتها، لا تلك التي تُغلق أبوابها وتعيش في أوهام الماضي.
إن دولًا كثيرة في المنطقة والعالم لديها علاقات استراتيجية مع قوى دولية مختلفة، ولم نرَ مواطنيها يحولون تلك العلاقات إلى خنجر يطعنون به أوطانهم أو يشككون بقياداتهم.
أما أولئك الذين يتغنون بمشاريع خارجية أرهقت الشعوب ومزقت الدول، فالتاريخ شاهد على أن التدخلات التي تبني نفوذها على الفوضى والميليشيات والانقسامات لا تصنع استقرارًا، بل تترك خلفها أوطانًا منهكة ومجتمعات ممزقة.
الأردن لم يكن يومًا وطنًا مستباحًا، ولن يكون ساحة لأصحاب المشاريع العابرة للحدود. هذا الوطن بناه أبناؤه بالدم والعرق والصبر، وحمايته مسؤولية كل من يحمل هويته وينتمي لترابه.
في زمن التحديات، لا مكان لأصوات الهدم، ولا مجال لخفافيش الظلام أن تختطف المشهد. فالأوطان لا تُحمى بالضجيج، بل بالانتماء الصادق، والعقل الواعي، والوقوف صفًا واحدًا خلف قيادته لحفظ أمنه واستقراره.
سيبقى الأردن عصيًا على كل محاولات العبث، وسيبقى وعي أبنائه هو السد المنيع أمام كل من يحاول النيل من عزته وسيادته.