يشكل القطاع الصناعي ركيزة أساسية للاقتصاد الأردني، وفي الوقت ذاته يمتلك فرصًا واعدة لتحقيق وفورات كبيرة في استهلاك المياه من خلال تحديث أنظمة الإنتاج، وإعادة استخدام المياه، والحد من الفاقد، واعتماد التقنيات الحديثة التي ترفع كفاءة استخدامها دون التأثير في الإنتاجية. وفي واحدة من أكثر دول العالم شحًا في المياه، لم يعد الحفاظ على هذا المورد الحيوي خيارًا، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها التحديات المتزايدة والطلب المتنامي على مورد يشكل أساس الحياة والتنمية الاقتصادية.
ولا ينبغي النظر إلى كفاءة استخدام المياه في القطاع الصناعي باعتبارها مسؤولية بيئية فحسب، بل بوصفها أيضًا فرصة اقتصادية واستثمارية تسهم في رفع الكفاءة التشغيلية، وخفض التكاليف، وزيادة الإنتاجية، وتعزيز القدرة التنافسية للصناعات والمنتجات الأردنية، بما يدعم توجه المملكة نحو الاقتصاد الأخضر ويعزز مسار التنمية المستدامة.
ومن هنا، لم يعد كافيًا الاكتفاء بالتوعية بأهمية المحافظة على المياه، بل أصبح من الضروري ترسيخ ممارسات عملية تقوم على القياس، والتحليل، والتحسين المستمر في إدارة الموارد المائية. ويأتي التدقيق المائي في مقدمة هذه الأدوات، إذ يتيح للمنشآت الصناعية فهم أنماط استهلاك المياه بدقة، وتحديد نقاط الاستخدام الرئيسة ومصادر الفاقد، وتقييم فرص إعادة الاستخدام، ووضع حلول عملية تخفض استهلاك المياه والكلف التشغيلية في آن واحد، بما يحقق قيمة مضافة للمنشآت، والاقتصاد الوطني، والبيئة.
ولا تقتصر أهمية التدقيق المائي على تحسين إدارة المياه، بل يمتد أثره ليشكل قاعدة راسخة لاتخاذ قرارات استثمارية أكثر كفاءة، من خلال تحديد فرص ترشيد استهلاك المياه وترتيب أولوياتها وفقًا للأثر المتوقع، وكلفة التنفيذ، والعائد على الاستثمار. وبهذا تنتقل المنشآت الصناعية من حلول جزئية ومتفرقة إلى خطط متكاملة تحقق تحسينًا مستدامًا في كفاءة استخدام المياه.
وقد أثبتت التقنيات الحديثة، مثل أنظمة التعويم بالهواء المذاب (DAF) وأنظمة التصريف الصفري للمياه (ZLD)، قدرتها على تحقيق عوائد استثمارية مجزية ووفورات مالية سنوية ملموسة، من خلال تقليل استهلاك المياه العذبة عبر إعادة استخدام المياه المعالجة. ويختلف حجم هذه الوفورات وفترة استرداد الاستثمار باختلاف طبيعة الصناعة، ومستويات استهلاك المياه، والتقنيات المطبقة، إلا أن العديد من هذه الاستثمارات يمكن استرداد تكلفتها خلال فترة زمنية قصيرة، ، قد تصل في بعض الحالات إلى ثلاث سنوات. كما تسهم هذه الأنظمة في خفض تكاليف التشغيل، وتقليل نفقات التخلص من المياه العادمة، وتحسين كفاءة العمليات الإنتاجية، وتعزيز استدامة المنشآت الصناعية وقدرتها على المنافسة على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تطوير منظومة وطنية متخصصة في مجال التدقيق المائي، بما يعزز جودة عمليات القياس والتقييم، ويوفر مرجعية فنية موثوقة لدعم اتخاذ القرار، ويربط فرص ترشيد استهلاك المياه بالحلول الاستثمارية المناسبة. كما أن الاستثمار في بناء قدرات الكفاءات الوطنية في مجالي التدقيق المائي والتحقق من وفورات المياه يعد ركيزة أساسية لبناء سوق مستدام لخدمات كفاءة استخدام المياه في القطاع الصناعي.
ومن ثم، ينبغي أن يصبح التدقيق المائي جزءًا أصيلًا من منظومة العمل في جميع المنشآت الصناعية، كبيرها وصغيرها، بما يعزز ثقافة الاستخدام المسؤول للمياه، ويرتقي بكفاءة إدارة الموارد المائية، ويسهم في تحقيق أهداف الأردن في مجال الاستدامة.
وفي نهاية المطاف، تبقى حماية الموارد المائية مسؤولية وطنية مشتركة تبدأ بالفرد وتمتد إلى المؤسسات، وتزداد أهميتها عندما تصبح جزءًا لا يتجزأ من السياسات الصناعية والتنموية. فكل متر مكعب من المياه يتم توفيره اليوم هو استثمار حقيقي في مستقبل الأردن، ودعامة لاستمرار التنمية الاقتصادية، وتجسيد لقناعة راسخة بأن الأمن المائي لا يتحقق بالمشروعات الكبرى وحدها، بل أيضًا بالحوكمة الرشيدة، والتنفيذ الفاعل للتشريعات، والالتزام الدائم بحماية كل قطرة ماء.