لم تعد الصحة النفسية في بيئة العمل ترفا وظيفيا بل أصبحت أحد العوامل المؤثرة في صحة الإنسان الجسدية والنفسية وإنتاجيته وجودة حياته.
فالتعرض المستمر لضغوط العمل والإدارة غير الصحية لا ينعكس على الحالة المزاجية فقط، بل قد يمتد إلى اضطرابات النوم والقلق والاحتراق الوظيفي، وصولا إلى أعراض جسدية قد تدفع الموظف إلى مراجعة الأطباء، دون اكتشاف سبب عضوي واضح.
وفي هذا السياق أكدت أخصائية علم النفس الصناعي والتنظيمي شروق الخطيب أن أسلوب القيادة داخل المؤسسة، قد يكون عاملا حاسما في حماية الصحة النفسية للعاملين أو الإضرار بها.
وبينت في مقابلة خاصة مع «الرأي» أن المدير الذي يمارس أساليب إدارية سلبية أو مسيئة، قد يكون سببا مباشرا في تدهور الصحة النفسية للموظفين، مؤكدة أن آثار بيئة العمل السامة لا تقتصر على الجانب النفسي، وإنما قد تمتد إلى الصحة الجسدية أيضا.
وأوضحت أن التوتر المزمن المرتبط بالعمل يؤثر في الجسم بطرق متعددة، لافتة إلى أن الضغوط المستمرة ترتبط بارتفاع احتمالات الإصابة بمشكلات صحية مختلفة، وهو ما يفسر لجوء بعض الموظفين إلى الأطباء بسبب آلام في العضلات أو الظهر أو المعدة أو الصداع، قبل أن يتبين لاحقا أن السبب الحقيقي يعود إلى الضغوط النفسية داخل بيئة العمل.
وأضافت الخطيب أن كثيرا من الحالات التي تراجع اختصاصيي الصحة النفسية تبدأ بشكاوى جسدية، وبعد الحوار يتضح أن الموظف يعيش تحت ضغط مدير متسلط أو ضمن فريق عمل يسوده التنمر والصراعات، مؤكدة أن بيئة العمل السامة غالبا لا تقتصر على شخص واحد، وإنما تنعكس على ثقافة المؤسسة بأكملها.
واعتبرت أن الضغط في العمل ليس سلبيا دائما، فوجود قدر معتدل من التحدي يساعد الموظف على الإنجاز وتحسين الأداء، إلا أن المشكلة تبدأ عندما تتجاوز المهام قدرة الموظف، أو تسند إليه أعمال عدة أشخاص دون توفير الأدوات أو التدريب أو التوجيه اللازم، مع محاسبته على أي خطأ، وهو ما يحول الضغط الطبيعي إلى مصدر للاستنزاف النفسي.
وأشارت إلى أن من أكثر الممارسات الإدارية التي تضر بالصحة النفسية «الإدارة بالمراقبة المفرطة» (Micromanagement)، والتوقعات غير الواقعية، والتغيير المستمر في القرارات، إضافة إلى تجاهل إنجازات الموظفين أو الامتناع عن تقديم التغذية الراجعة الإيجابية، مؤكدة أن هذه السلوكيات تضعف الثقة بالنفس وتخفض الدافعية والإنتاجية.
ونوهت الخطيب إلى أهمية التمييز بين المدير الحازم والمدير المؤذي نفسيا، موضحة أن المدير الحازم يوجه الملاحظات نحو العمل أو الأداء، بينما يهاجم المدير المؤذي الشخص نفسه، من خلال الإهانة أو التقليل من القدرات أو إطلاق أوصاف شخصية، وهو ما يترك آثارا نفسية قد تستمر لفترات طويلة.
وحذرت من التوبيخ العلني أمام الزملاء، واصفة إياه بأنه من أكثر الممارسات ضررا، لما يسببه من شعور بالإهانة والخوف وفقدان الأمان الوظيفي، داعية المديرين إلى مناقشة الأخطاء بصورة فردية، مقابل تقديم الثناء أمام الفريق عند تحقيق الإنجازات.
ولفتت إلى أن استمرار العمل في بيئة سامة قد يقود إلى الاحتراق الوظيفي، وصعوبة الفصل بين الحياة الشخصية والعمل، والأرق، والصداع المتكرر، واضطرابات الجهاز الهضمي، وآلام العضلات والظهر، حيث إن غياب الأسباب الطبية الواضحة لهذه الأعراض قد يكون مؤشرا على أن منشأها نفسي مرتبط ببيئة العمل.
وفيما يتعلق بالاستقالة، شددت الخطيب على أنها قد تكون قرارا صحيا في بعض الحالات، لكنها يجب أن تتخذ بعد دراسة وتخطيط وتأمين بديل وظيفي، وليس كرد فعل انفعالي، داعية الموظفين الذين لا يستطيعون ترك وظائفهم إلى توثيق جميع المهام والتعليمات والمراسلات المهنية لحماية حقوقهم، مع محاولة الفصل النفسي بين العمل والحياة الخاصة قدر الإمكان.
ورأت أن مسؤولية حماية الصحة النفسية للعاملين تقع في المقام الأول على عاتق المؤسسات، من خلال بناء ثقافة تنظيمية صحية، وتدريب المديرين على مهارات القيادة والتواصل، وتوفير بيئة عمل قائمة على الاحترام والتقدير، بدلا من التركيز على الأرقام والنتائج فقط.
وأكدت الخطيب أن المدير الداعم لا ينعكس أثره على راحة الموظف النفسية فحسب، بل يسهم أيضا في رفع الإنتاجية وتعزيز الإبداع والولاء الوظيفي، مشيرة إلى أن الاستثمار في الصحة النفسية للعاملين أصبح ضرورة لضمان استدامة الأداء ونجاح المؤسسات، وليس مجرد جانب رفاهي في بيئة العمل.