يمثل الاتفاق العراقي السوري لإعادة تأهيل خط أنابيب النفط كركوك-بانياس، الذي جرى توقيع مذكرة تفاهم بشأنه في العاصمة الأمريكية واشنطن في 17 تموز 2026، تحولاً مهماً في خريطة الطاقة الإقليمية، في ظل المساعي الرامية إلى تنويع طرق تصدير النفط وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، الذي أصبح محوراً للتوترات الأمنية والعسكرية في المنطقة خلال الفترة الأخيرة.
وجرى توقيع الاتفاق بحضور وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت وعدد من المسؤولين، وسط دعم أمريكي للمشروع الذي يُنظر إليه باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع لتعزيز أمن الطاقة وإيجاد بدائل أكثر استقراراً لمسارات التصدير التقليدية.
ويحمل المشروع تداعيات متباينة على المصالح الإسرائيلية، إذ قد يسهم من جهة في تقليص النفوذ الإيراني عبر توفير مسار بديل لتصدير النفط العراقي، بينما قد يؤدي من جهة أخرى إلى الحد من الطموحات الإسرائيلية بأن تصبح مركزاً إقليمياً رئيسياً لنقل الطاقة إلى الأسواق الأوروبية.
ويأتي المشروع ضمن توجهات أمريكية وإقليمية تهدف إلى تقليل الاعتماد على مضيق هرمز، الذي لطالما استخدم كورقة ضغط في الصراعات الإقليمية.
ويرى مراقبون أن إعادة تشغيل خط كركوك-بانياس قد تمنح العراق منفذاً برياً وبحرياً بديلاً لتصدير النفط، وتدعم جهود تنويع طرق الإمداد في الشرق الأوسط.
في المقابل، قد يشكل المشروع تحدياً أمام خطط سابقة هدفت إلى تعزيز دور إسرائيل كمحور لنقل الطاقة بين دول الخليج والبحر المتوسط، خاصة عبر الاستفادة من البنية التحتية القائمة مثل خط أنابيب إيلات-عسقلان. فوجود مسار مباشر من العراق إلى ميناء بانياس السوري قد يقلل الحاجة إلى بعض المبادرات التي تعتمد على الأراضي والموانئ الإسرائيلية لنقل الطاقة.
كما أن تحول سوريا إلى نقطة عبور رئيسية للطاقة قد يعيد رسم موازين القوى في المنطقة، في ظل خطط لتطوير دورها كممر بري يربط الخليج بالبحر المتوسط.
وتشمل التصورات المطروحة إنشاء شبكات طاقة إقليمية تربط بين دول الخليج وتركيا وأوروبا، إضافة إلى تطوير مشاريع للغاز والنفط عبر الأراضي السورية.
ورغم الأهمية الاستراتيجية للمشروع، فإن تنفيذه يواجه تحديات كبيرة تتعلق بالتمويل، والأوضاع الأمنية، والاستقرار السياسي، فضلاً عن الحاجة إلى إعادة تأهيل بنية تحتية تعرضت لأضرار كبيرة خلال العقود الماضية.
كما أن مشاريع تحويل سوريا إلى ممر للطاقة ليست جديدة، إذ طرحت أفكار مشابهة منذ بداية القرن الحالي، لكنها اصطدمت سابقاً بعوامل سياسية وأمنية واقتصادية حالت دون تنفيذها.
ويحتاج الخط إلى عمليات إعادة تأهيل واسعة قبل استئناف تشغيله، مع تقديرات تشير إلى أن تنفيذ الأعمال الفنية قد يستغرق نحو ثلاث سنوات، وقد تمتد الفترة الزمنية أكثر بسبب أي عراقيل سياسية أو أمنية أو مالية محتملة.
ويعود تاريخ خط أنابيب كركوك-بانياس إلى خمسينيات القرن الماضي، عندما أنشئ بطول يقارب 800 كيلومتر لربط حقول النفط في منطقة كركوك شمال العراق بميناء بانياس على الساحل السوري.
وكان الخط يمثل أحد المسارات الرئيسية لتصدير النفط العراقي إلى الأسواق العالمية عبر البحر المتوسط، قبل أن يتوقف عن العمل عام 2003 عقب الغزو الأمريكي للعراق، ثم تعرض لأضرار إضافية خلال سنوات الحرب.
وتضمنت مذكرة التفاهم الموقعة ترتيبات بين الشركة السورية للنفط وشركة نفط البصرة، إضافة إلى تعاون مع ائتلاف دولي يضم شركات متخصصة لإجراء الدراسات الفنية والمالية ووضع الإطار التنفيذي للمشروع.
كما تزامن الاتفاق مع توقيع العراق اتفاقيات واسعة مع شركات طاقة دولية لتطوير قطاع النفط والبنية التحتية المرتبطة به.
وتبلغ الطاقة الاستيعابية المتوقعة للخط بعد إعادة تأهيله نحو مليوني برميل يومياً، مقارنة بطاقة تشغيلية سابقة بلغت نحو 300 ألف برميل يومياً.
ورغم ذلك، تشير التقديرات إلى أن الخط لن يشكل بديلاً كاملاً للصادرات العراقية عبر الخليج، لكنه سيوفر مساراً إضافياً يخفف الضغط على مضيق هرمز ويعزز مرونة منظومة تصدير الطاقة العراقية.
ويأتي المشروع في سياق إقليمي أوسع تعمل خلاله دول الخليج على تطوير بدائل لنقل الطاقة، من خلال تعزيز شبكات الأنابيب والموانئ البرية والبحرية ومرافق التخزين.
وتسعى هذه الجهود إلى حماية سلاسل الإمداد من المخاطر الجيوسياسية وتقليل تأثير أي اضطرابات محتملة في الممرات البحرية الحيوية.
ويحظى المشروع باهتمام أمريكي باعتباره جزءاً من جهود تعزيز أمن الطاقة الإقليمي، مع توقعات بمشاركة شركات أمريكية في مراحل التطوير والتنفيذ.
كما يعكس الاتفاق رغبة واشنطن في دعم مسارات جديدة للطاقة تقلل الاعتماد على نقاط الاختناق الجغرافية وتعيد تشكيل شبكة المصالح الاقتصادية في المنطقة.
ويشكل خط كركوك-بانياس، في حال اكتمال إعادة تأهيله، عاملاً مؤثراً في إعادة ترتيب خريطة الطاقة في الشرق الأوسط، إذ يجمع بين أهداف اقتصادية تتعلق بتنويع طرق التصدير، وأبعاد جيوسياسية مرتبطة بالتنافس على النفوذ وممرات الطاقة.
وبينما يمنح المشروع العراق وسوريا فرصاً اقتصادية جديدة، فإنه يفتح في الوقت ذاته باباً لتحولات إقليمية قد تؤثر في أدوار القوى المختلفة، بما فيها إسرائيل، في سوق الطاقة المستقبلية.