ما إن يفتح الأطفال أعينهم صباحًا حتى تمتد أيديهم تلقائيًا نحو أجهزتهم اللوحية، التي ترافقهم لساعات طويلة حتى وقت النوم، لتصبح جزءًا من تفاصيل حياتهم اليومية أثناء اللعب وتناول الطعام وممارسة أنشطتهم المختلفة.
وأصبح الاستخدام المفرط للهواتف الذكية والشاشات مصدر قلق متزايد لدى الأسر والمختصين، في ظل ما قد يتركه من آثار نفسية وسلوكية سلبية تؤثر في نمو الطفل، وتحصيله الدراسي، وعلاقاته الاجتماعية، ما دفع عددًا من الدول إلى اتخاذ إجراءات للحد من تداعيات الاستخدام غير المنظم للأجهزة الذكية على الأطفال.
تروي هبه الراعي تجربتها مع طفلتها التي لم تتجاوز العامين، إذ كانت تسمح لها باستخدام الهاتف لفترات محدودة، لكنها لاحظت مع مرور الوقت تغيرًا في سلوكها، حيث أصبحت تنفعل بشدة وتدخل في نوبات غضب وعصبية عند محاولة سحب الهاتف منها.
وأضافت أنها قررت الاستغناء عن الهاتف تدريجيًا واستبداله بألعاب تعليمية وأنشطة تساعد على تنمية الذكاء والمهارات، مشيرة إلى أن طفلتها لم تتقبل البدائل في البداية، لكنها مع مرور الوقت بدأت تتفاعل معها وتقضي وقتًا أطول في اللعب، ما ساهم في تخفيف تعلقها بالهاتف.
وفي تجربة أخرى، تقول ميسم العبادي، وهي أم لطفل في المرحلة الابتدائية، إنها لاحظت تغيرًا واضحًا في سلوك ابنها بعد استخدام الهاتف، إذ أصبح أكثر عصبية وعدوانية، ويدخل في نوبات غضب شديدة عند محاولة سحب الجهاز منه.
وأضافت أن الأسرة كانت تضطر في كثير من الأحيان إلى إعادة الهاتف إليه لتجنب تلك الانفعالات، قبل أن تدرك أهمية تنظيم استخدامه والبحث عن بدائل مناسبة للتعامل مع المشكلة.
أبو طربوش: الاستخدام المفرط للهواتف يزيد القلق والعزلة واضطرابات النوم لدى الأطفال
وفي هذا الشأن، يؤكد أخصائي علم النفس للأطفال والمراهقين الدكتور جميل أبو طربوش أن الاستخدام المفرط للهواتف الذكية لدى الأطفال ينعكس سلبًا على صحتهم النفسية والسلوكية، إذ يزيد من أعراض القلق والتوتر والانفعال، ويؤدي إلى ضعف الانتباه والتركيز، ما ينعكس على التحصيل الدراسي، إلى جانب العزلة الاجتماعية واضطرابات النوم نتيجة التعرض للشاشات، خاصة قبل النوم، والعصبية وتقلب المزاج، فضلًا عن احتمالية الشعور بالإحباط والفشل والاكتئاب بسبب الخسارة المتكررة في الألعاب الإلكترونية.
وحذر أبو طربوش من استخدام الهواتف الذكية للأطفال دون سن العامين، مؤكدًا أن استخدام الأطفال الأكبر سنًا يجب أن يكون لفترات محددة وضمن ضوابط تراعي طبيعة المحتوى المناسب لأعمارهم.
وأشار إلى أن أبرز العلامات التي تدل على إدمان الطفل للهاتف تتمثل في الغضب الشديد أو نوبات البكاء عند سحب الجهاز منه، وقضاء ساعات طويلة على الهاتف دون القدرة على التوقف، وتراجع المستوى الدراسي، والعزلة الاجتماعية وضعف التواصل اللغوي، والانشغال المستمر بالهاتف حتى أثناء تناول الطعام أو قبل النوم، إضافة إلى اضطرابات النوم وقلة الشهية أو الإفراط في تناول الطعام.
ودعا أبو طربوش إلى الحد من الاستخدام المفرط للهواتف من خلال منع استخدامها أثناء وجبات الطعام، وعدم استخدامها قبل النوم بساعة على الأقل، وأن يكون الوالدان قدوة في تنظيم استخدام الأجهزة الذكية، وتحديد وقت يومي مناسب للاستخدام وفقًا لعمر الطفل، إلى جانب شغل أوقات فراغ الأطفال بالرسم والرياضة والقراءة والألعاب التعليمية وتشجيعهم على المشاركة في الأنشطة الاجتماعية وتنمية الهوايات.
أبو عمارة: لا يمكن عزل الأطفال عن التكنولوجيا والحل في تنظيم استخدامها واستثمارها إيجابيًا
من جانبه، أكد الخبير التربوي الدكتور محمد أبو عمارة خلال برنامج “نبض الرأي”، أن منع الأطفال من استخدام الهواتف والأجهزة اللوحية بشكل كامل لم يعد خيارًا واقعيًا، داعيًا إلى استثمارها بطريقة إيجابية من خلال التطبيقات التعليمية والألعاب التي تنمي التفكير والمهارات، مع متابعة الأهل لما يشاهده الطفل ويستخدمه.
وشدد أبو عمارة على أهمية إشراك الأبناء في الأعمال المنزلية وتقسيم المهام بينهم، مبينًا أن ذلك يملأ جزءًا من أوقات فراغهم، ويغرس لديهم المسؤولية والاستقلالية، ويزيد من تقديرهم لجهود الوالدين.
وطالب الآباء بالتقرب من أبنائهم من خلال مشاركتهم الأنشطة المختلفة ومرافقتهم، داعيًا إلى اصطحاب الأبناء، خاصة في مرحلة المراهقة، إلى أماكن عملهم، لما لذلك من دور في بناء شخصياتهم ومنحهم خبرات عملية مبكرة، ومساعدتهم على اكتشاف ميولهم المهنية بعيدًا عن قضاء الوقت أمام الشاشات.
وأكد أن تعديل سلوك الأبناء يحتاج إلى الصبر والاستمرارية، مشددًا على أن الحوار والإقناع أكثر فاعلية من العقاب، وأن تغيير السلوك عملية تراكمية قد تستغرق وقتًا طويلًا.
وأوضح أن الأطفال حتى الصف السادس بحاجة إلى اللعب أكثر من الدروس الإضافية، لأن اللعب يسهم في نموهم الجسدي والعقلي والاجتماعي، فيما يمكن استثمار الإجازة لمعالجة نقاط الضعف الدراسية لدى الطلبة الأكبر سنًا، دون تحويل العطلة إلى فصل دراسي.
ودعا أبو عمارة الأهالي إلى تهيئة أبنائهم نفسيًا للعودة إلى المدرسة من خلال الحديث عنها بصورة إيجابية، وتشويقهم للقاء الأصدقاء والمعلمين، وإشراكهم في اختيار مستلزماتهم المدرسية، بدل ربط العودة بالضغوط والامتحانات.
الهواتف الذكية بين الترفيه والإدمان وأثارها على الصحة النفسية للأطفال
03:45 27-7-2026
آخر تعديل :
الاثنين