اقتصاد

«التغويز الشاطئية».. استثمار استراتيجي يعزز أمن الطاقة

بنية طاقة أكثر مرونة واستدامة

لا يقتصر مشروع إنشاء وحدة التغويز الشاطئية في ميناء الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح للغاز الطبيعي المسال في العقبة على استبدال الباخرة العائمة بمنشأة ثابتة، بل يمثل تحولاً في طريقة إدارة الأردن لملف الطاقة، من الاعتماد على حلول تشغيلية مؤقتة إلى بناء بنية تحتية دائمة وأكثر مرونة، قادرة على مواكبة المتغيرات الإقليمية وتقلبات أسواق الطاقة العالمية.
ويرى خبراء اقتصاديون وفي شؤون الطاقة أن المشروع، الذي تبلغ كلفته نحو 90 مليون دينار وبقدرة تشغيلية تصل إلى 700 مليون قدم مكعب يومياً، يشكل خطوة استراتيجية لتعزيز أمن التزود بالغاز الطبيعي، وتوسيع خيارات الاستيراد، وخفض الكلف التشغيلية، بما ينعكس على قطاع الكهرباء والصناعة والاقتصاد الوطني.
يتفق الخبراء على أن القيمة الاستراتيجية للمشروع تبدأ من تقليل مخاطر الاعتماد على مصدر واحد للغاز، إذ يمنح الأردن مرونة أكبر في التعامل مع الأسواق العالمية واختيار الموردين وفقاً للأسعار والظروف اللوجستية.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي منير دية أن المشروع يعزز أمن التزود بالطاقة من خلال توسيع خيارات المملكة في استيراد الغاز الطبيعي المسال، موضحاً أن الوحدة الشاطئية ستستقبل الغاز القادم عبر الناقلات، ثم تعيد تحويله إلى حالته الغازية لضخه في الشبكة الوطنية وتزويد محطات الكهرباء والقطاعات الصناعية والتجارية والمنزلية.
ويشير دية إلى أن القدرة التشغيلية للمشروع، البالغة نحو 700 مليون قدم مكعب يومياً، تمنح الأردن قدرة أكبر على استقبال الغاز من موردين متعددين، وهو ما يقلل من آثار أي أزمة سياسية أو أمنية أو لوجستية قد تؤثر في أحد الموردين أو في حركة الملاحة.
ويتفق معه مدير البرامج في معهد السياسة والمجتمع حسين الصرايرة، مؤكداً أن المشروع يعكس تحولاً في فلسفة إدارة قطاع الطاقة، لأنه يمنح الأردن مرونة أكبر في التعاقد مع عدد أكبر من الموردين، ويحد من مخاطر الاعتماد على مسار واحد للإمداد، وهي ميزة أصبحت أكثر أهمية في ظل التوترات الإقليمية والاضطرابات التي يشهدها سوق الطاقة العالمي.
أما خبير الطاقة هاشم عقل، فيلفت إلى أن تنويع الموردين وخيارات الاستيراد لا يقتصر على تعزيز أمن التزود، بل يحمي المملكة من أي انقطاع مفاجئ أو ضغوط قد تنشأ نتيجة الاعتماد على مصدر واحد، ويمنح صانع القرار مساحة أوسع للمناورة في أسواق الغاز العالمية.
ولا ينظر الخبراء إلى المشروع باعتباره تطويراً تقنياً فحسب، بل يرونه انتقالاً من حلول مؤقتة إلى بنية تحتية أكثر استدامة وأقل كلفة.
ويعتبر الصرايرة أن المشروع ينقل الأردن من الاعتماد على وحدة التخزين والتغويز العائمة إلى منشأة شاطئية دائمة، وهو ما يعكس انتقالاً من إدارة الأزمات إلى بناء منظومة طاقة أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة المتغيرات المستقبلية.
ويضيف أن هذه الخطوة ترفع القيمة الاستراتيجية لميناء الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، وتعزز قدرة الأردن على إدارة ملف الغاز وفق رؤية طويلة الأمد، بدلاً من الاستمرار في الاعتماد على حلول مؤقتة.
ومن جانبه، يوضح عقل أن الوحدة العائمة أدت دورها خلال السنوات الماضية، لكنها تبقى خياراً انتقالياً، في حين تمثل المحطة الشاطئية استثماراً دائماً أقل كلفة تشغيلية وأكثر كفاءة، مشيراً إلى أن المشروع يتزامن مع تحديث مرافق التخزين والتغويز بما يواكب أحدث معايير السلامة والكفاءة.
ويؤكد دية أن المشروع لا يقتصر على استبدال الباخرة، بل يرفع قدرة ميناء الغاز على استقبال وإدارة كميات أكبر من الغاز الطبيعي المسال، بما يعزز جاهزية المملكة لتلبية احتياجاتها المستقبلية.
كما يتفق الخبراء على أن المكاسب الاقتصادية للمشروع لا تقل أهمية عن أبعاده الاستراتيجية، إذ من المتوقع أن يسهم في خفض الكلف التشغيلية وتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني.
ويرى عقل أن الاعتماد على منشأة ثابتة سيساعد في خفض كلفة تشغيل منظومة الغاز وتقليل الحاجة إلى استخدام الوقود السائل الأعلى كلفة عند حدوث أي انقطاع، وهو ما سينعكس إيجاباً على كلفة إنتاج الكهرباء.
ويذهب الصرايرة إلى أن المشروع يمنح شركة الكهرباء الوطنية مرونة أكبر في شراء الغاز من الأسواق العالمية وفق أفضل الأسعار وشروط التعاقد، الأمر الذي يعزز كفاءة إدارة المشتريات ويخفض الكلف على المدى الطويل.
أما دية، فيربط المشروع مباشرة بالقطاع الصناعي، مشيراً إلى أن افتتاح محطة الغاز في مدينة القويرة الصناعية بالتزامن مع المشروع يأتي ضمن خطة لخفض كلف الطاقة على المصانع بنسبة تتراوح بين 35 و65 بالمئة، وهو ما يعزز تنافسية المنتجات الأردنية ويزيد الصادرات ويشجع الاستثمارات الصناعية الجديدة.
ورغم أهمية المشروع، يؤكد الخبراء أنه لا يمثل مشروعاً منفصلاً، بل يأتي ضمن استراتيجية أشمل لإعادة تشكيل مزيج الطاقة في الأردن.
ويشير دية إلى أن المشروع يتكامل مع خطط تطوير حقل الريشة، والتوسع في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء، بما يعزز الاعتماد على الذات ويمنح المملكة مزيجاً أكثر تنوعاً من مصادر الطاقة.
ويتفق معه الصرايرة، الذي يرى أن الغاز الطبيعي سيبقى الوقود الانتقالي الذي يدعم استقرار الشبكة الكهربائية بالتوازي مع التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، مؤكداً أن الاستثمار في البنية التحتية للطاقة أصبح استثماراً في الأمن الوطني والسيادة الاقتصادية.
في المقابل، يلفت عقل إلى أن المشروع يمنح الأردن أيضاً دوراً إقليمياً أكبر في تجارة ونقل الغاز، مع استمرار إعطاء الأولوية لتلبية احتياجات السوق المحلية، وتعزيز قدرة المملكة على التعامل مع مختلف السيناريوهات الإقليمية.
وبينما يبدو المشروع في ظاهره منشأة جديدة لاستقبال الغاز الطبيعي المسال، إلا أن قراءته في سياق استراتيجية الطاقة تكشف أنه استثمار طويل الأمد في أمن التزود، واستقرار الكهرباء، وتنافسية الصناعة، وثقة المستثمرين.
فمع تنويع مصادر الغاز، والتوسع في الإنتاج المحلي، وتعزيز البنية التحتية، يمضي الأردن نحو بناء منظومة طاقة أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الأزمات، بحيث يصبح أمن الطاقة ركيزة للنمو الاقتصادي، وليس مجرد استجابة مؤقتة لتقلبات الأسواق أو التطورات الجيوسياسية.