أبواب

التنمر الإلكتروني.. الوجه المظلم للحياة الرقمية

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل والترفيه، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من حياة المراهقين، يقضون فيها ساعات طويلة للتفاعل مع الآخرين والتعبير عن أفكارهم. إلا أن هذا العالم الرقمي يخفي جانبًا مظلمًا يتمثل في التنمر الإلكتروني، الذي أصبح من أكثر القضايا تأثيرًا في الصحة النفسية للمراهقين، لما يتركه من آثار تتجاوز حدود الشاشة وتمتد إلى حياتهم اليومية وعلاقاتهم ودراستهم.
أسباب انتشار التنمر الإلكتروني
يرى استشاري الطب النفسي الدكتور وليد سرحان أن التنمر الإلكتروني ينتج عن تداخل عوامل نفسية واجتماعية، مثل الرغبة في فرض السيطرة، أو كسب مكانة بين الأقران، أو الانتقام، أو ضعف التعاطف وتقدير الذات. بينما تؤكد الأخصائية النفسية الدكتورة أمينة حطاب أن القلق والإحباط والغيرة والشعور بالدونية قد تدفع بعض المراهقين إلى تفريغ مشاعرهم السلبية بالإساءة إلى الآخرين، مشيرة إلى أن المتنمر والمتنمر عليه قد يكونان ضحيتين لظروف نفسية مختلفة.
ومن جانبه، يربط أستاذ علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي انتشار الظاهرة بضعف التنشئة الاجتماعية وغياب التوجيه الأسري، في حين يوضح الأخصائي الأسري الدكتور فؤاد رضوان أن بعض من تعرضوا للتنمر في الواقع قد يلجؤون إلى ممارسته عبر الإنترنت، مستفيدين من شعورهم بالأمان خلف الشاشة.
آثار نفسية واجتماعية ودراسية
يجمع المختصون على أن الضحية قد تعاني من القلق والحزن والاكتئاب وانخفاض الثقة بالنفس، إلى جانب اضطرابات النوم والشهية، والصداع وآلام المعدة الناتجة عن التوتر. كما قد يشعر المراهق بالعزلة وفقدان الأمان، ويبتعد عن أصدقائه وأنشطته الاجتماعية.
ولا تتوقف الآثار عند الجانب النفسي، إذ يؤكد الدكتور سرحان أن الخوف والانشغال بالإساءة الرقمية يضعفان التركيز والتحصيل الدراسي، وقد يؤديان إلى كثرة الغياب أو رفض الذهاب إلى المدرسة. وتضيف الدكتورة أمينة حطاب أن المراهق قد يعاني من تشتت الانتباه وضعف الذاكرة، بينما يشير الدكتور الخزاعي إلى أن التنمر قد ينعكس سلبًا على العلاقات الاجتماعية ويولد خلافات تمتد أحيانًا إلى الأسرة.
علامات تستدعي الانتباه
يشير المختصون إلى أن من أبرز العلامات التي قد تدل على تعرض المراهق للتنمر الإلكتروني: الانزعاج بعد استخدام الهاتف، أو تغير نمط استخدامه، وإغلاق حسابات التواصل، والعزلة، وتراجع المستوى الدراسي، واضطرابات النوم أو الشهية، إضافة إلى فقدان الثقة بالنفس أو تكرار عبارات اليأس. ويؤكدون أن ملاحظة هذه التغيرات تستدعي الحوار الهادئ مع المراهق دون لوم أو اتهام.
الأسرة خط الدفاع الأول
يؤكد الخبراء أن الوقاية تبدأ من الأسرة، من خلال بناء علاقة قائمة على الثقة، وتشجيع الأبناء على الحديث عن تجاربهم الرقمية، وتعليمهم الاستخدام الآمن للإنترنت، وعدم مشاركة المعلومات أو الصور الخاصة، ومعرفة آليات الحظر والإبلاغ.
وعند التعرض للتنمر، ينصح الدكتور وليد سرحان بالاستماع إلى المراهق وطمأنته، والاحتفاظ بالأدلة، وعدم الرد على المتنمر، وإبلاغ المدرسة أو الجهات المختصة عند الحاجة، مع طلب المساعدة النفسية إذا ظهرت آثار مستمرة. كما يشدد الدكتور فؤاد رضوان على أهمية تجنب لوم الضحية، وفتح أبواب الحوار، وتعليم الأبناء أن طلب المساعدة دليل قوة وليس ضعفًا.
ويتفق ذلك مع ما عبّر عنه أحد المراهقين أنه شاهد حالات تنمر إلكتروني أثرت في أصدقائه ودفع بعضهم إلى الانعزال والابتعاد عن مواقع التواصل، مؤكدًا أن الشعور بعدم المساءلة خلف الشاشة يشجع بعض الأشخاص على الإساءة. ونصح بعدم الرد على المتنمر، والاحتفاظ بالأدلة، وإبلاغ شخص بالغ يثق به، لأن “الكلمات قد تؤذي أكثر مما نتوقع.”
ويجمع المختصون في ختام آرائهم على أن مواجهة التنمر الإلكتروني مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع، تبدأ بالتوعية والحوار، وترسيخ ثقافة الاحترام في العالم الرقمي، حتى تبقى التكنولوجيا وسيلة للتواصل والبناء .