يتوجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، غدا الإثنين، إلى العاصمة الأميركية واشنطن تلبية لدعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث يعقد لقاء قمة في البيت الأبيض الثلاثاء المقبل، كما يشارك في جنازة السيناتور ليندسي غراهام.
وتأتي هذه الزيارة، التي تعد الثامنة لنتنياهو منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، في توقيت بالغ الحساسية، في ظل ما تصفه مصادر إسرائيلية وأميركية بوجود توتر متزايد في العلاقة بين الرجلين، وسط ملفات إقليمية معقدة تشمل إيران ولبنان واليمن والفلسطينيين، بالتزامن مع استمرار الحرب في قطاع غزة وتصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية.
ورغم العلاقة الوثيقة التي جمعت نتنياهو وترامب خلال السنوات الماضية، فإن مؤشرات عدة تشير إلى اتساع الفجوة بين الجانبين بشأن عدد من القضايا الاستراتيجية.
ووصلت الخلافات إلى حد تأجيل لقاء كان مقرراً الأسبوع الماضي، حيث أُعلن أن السبب هو مشاركة ترامب ونتنياهو في جنازة السيناتور غراهام، فيما ترى مصادر سياسية في تل أبيب أن التأجيل عكس رغبة الطرفين في تجنب مواجهة علنية قبل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.
ويحاول ترامب، الذي سبق أن وصف نتنياهو بأنه «رجل صعب للغاية»، التأكيد على دوره باعتباره صاحب القرار الأول في الملفات الإقليمية، بينما يجد نتنياهو نفسه في موقف أكثر صعوبة، خصوصاً بعد التفاهمات الأميركية مع إيران التي اعتبرتها أوساط إسرائيلية غير كافية. وقال المحلل أليكس فيشمان في صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن «نتنياهو يعيش كابوساً سياسياً؛ فترامب لم يعد يراه شريكاً بل عقبة في وجه أجندته الإقليمية».
ويتصدر الملف الإيراني جدول أعمال القمة المرتقبة، إذ تصل إسرائيل إلى واشنطن وسط مخاوف متزايدة بشأن تطورات البرنامج النووي الإيراني، ولا سيما التقارير التي تتحدث عن تعزيز قدرات إيران النووية في منشآت تحت الأرض يصعب استهدافها. وفي هذا السياق، سعت مصادر إسرائيلية إلى تسليط الضوء على المخاطر المرتبطة بهذه المنشآت، بهدف دفع واشنطن إلى تبني موقف أكثر تشدداً، رغم أن تقديرات شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «أمان» تشير إلى عدم وجود تهديد نووي جديد وفوري، فيما يقر سلاح الجو الإسرائيلي بصعوبة التعامل مع منشآت عميقة ومحصنة.
ووفق تقارير إسرائيلية وأميركية، يسعى نتنياهو إلى إقناع ترامب بضرورة إبقاء الخيار العسكري مطروحاً لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، في وقت تبدو فيه الإدارة الأميركية أكثر ميلاً إلى الجمع بين الضغط الاقتصادي والمسار الدبلوماسي.
ونقل عن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس قوله إن إدارة الملف الإيراني يجب أن تراعي «مصلحة الشعب الأميركي» وليس فقط «مطالب الحلفاء الأجانب».
كما نقلت صحيفة «هآرتس» عن مصادر أمنية إسرائيلية أن هناك شكوكاً في قدرة الضغط العسكري وحده على دفع إيران إلى تقديم تنازلات، خاصة في ظل رغبة ترامب في تجنب مواجهة طويلة قد تؤثر على أولوياته الداخلية.
ويحضر الملف اللبناني بقوة خلال المباحثات، في ظل مساعٍ أميركية لدفع إسرائيل نحو انسحاب تدريجي من مناطق في جنوب لبنان ضمن تفاهمات مع الحكومة اللبنانية.
وتشير تقارير إلى أن ترامب يرى في أي تقدم بهذا الملف فرصة لإظهار نفوذه الدبلوماسي في المنطقة، بينما يتمسك نتنياهو بموقف أكثر تحفظاً ويرفض أي انسحاب واسع لا يضمن، من وجهة نظره، المصالح الأمنية الإسرائيلية.
ووفقاً لمصادر مطلعة نقلت عنها صحيفة «هآرتس»، فإن تأجيل اللقاء السابق بين نتنياهو وترامب ارتبط أيضاً بمحاولات الضغط على إسرائيل للبدء بتنفيذ خطوات انسحاب محدودة من مناطق في جنوب لبنان تمهيداً لتعزيز انتشار الجيش اللبناني.
وكتب المحلل الدبلوماسي في صحيفة «يسرائيل هيوم»، أيال زيسر، أن «نتنياهو يخشى أن يقدم ترامب تنازلات لبيروت على حسابه، خاصة في ظل الحديث عن إمكانية منح النظام السوري دوراً في التعامل مع حزب الله، وهو ما ترفضه إسرائيل بشكل قاطع».
كما يتناول اللقاء الملف اليمني، وتحديداً جماعة الحوثي، باعتباره جزءاً من المواجهة الأوسع مع إيران وحلفائها في المنطقة.
ومن المتوقع أن يبحث الطرفان تعزيز التنسيق بشأن التعامل مع الهجمات الحوثية التي استهدفت إسرائيل، في وقت تسعى فيه تل أبيب إلى توسيع نطاق استهداف الجماعة وبنيتها التحتية، بينما تركز واشنطن على احتواء التصعيد ومنع توسع دائرة المواجهة.
أما ملف غزة، فيمثل أحد أبرز نقاط الخلاف بين الطرفين، إذ يدفع ترامب باتجاه تنفيذ خطط لإعادة إعمار القطاع، بينما تصر إسرائيل على ربط أي تقدم في هذا المسار بتحقيق أهداف أمنية، أبرزها نزع سلاح حركة حماس بالكامل.
ووفق تقارير إسرائيلية، قد يطرح ترامب خلال اللقاء مقترحات تقوم على إعادة إعمار جزئية في مناطق تخضع للسيطرة الأمنية الإسرائيلية، بهدف دفع المسار السياسي، وهو ما قد يواجه تحفظاً من نتنياهو الذي يرى أن ذلك قد يمنح حماس فرصة للحفاظ على وجودها.
وفي الضفة الغربية، ورغم استمرار التصعيد واعتداءات المستوطنين، فمن غير المتوقع أن يحتل الملف مساحة واسعة من المباحثات مقارنة بالملفات الإيرانية والإقليمية الأخرى، في ظل تركيز واشنطن على القضايا التي تراها أكثر تأثيراً على الاستقرار الإقليمي.
وتشكل زيارة نتنياهو إلى واشنطن اختباراً جديداً لقدرة الطرفين على تجاوز الخلافات المتزايدة والحفاظ على التحالف القائم بينهما.
ونقلت صحيفة «فايننشال تايمز» عن مسؤولين أميركيين سابقين قولهم إن «ترامب ونتنياهو بالغَا في تقدير قدراتهما وأهدرا الموقف الاستراتيجي الأكثر ملاءمة».
ويواجه نتنياهو ضغوطاً سياسية داخلية وحاجة إلى تعزيز علاقته بترامب، في حين يسعى الرئيس الأميركي إلى فرض أجندته القائمة على تعزيز النفوذ الأميركي وإدارة الملفات الإقليمية وفق أولوياته الخاصة، في ظل اقتراب انتخابات الكونغرس التي تشكل عاملاً مهماً في حسابات البيت الأبيض.