وحين تفقد الحضارة القدرة على الخيال وتقديم الإجابات لتحدياتها والأطر الأخلاقية لأفعالها، هنا تحديدا تبدأ في التراجع اذ يعلق المؤرخ الأمريكي "ويل ديورانت" أن الحضارة تبدأ بالخيال وتنتهي بالإدارة، وبين الفكرتين يمكن قراءة حال الغرب المعاصر؛ فالإبداع الذي صنع النهضة والثورة العلمية، حل محله تدريجياً منطق الشركات العملاقة، ومنصات البث، والخوارزميات التي تقيس النجاح بعدد المشاهدات لا بعمق الفكرة.
ما سبق يجعل فيلم "الأوديسة" لكريستوفر نولان ليس مجرد اعادة احياء سينمائية لملحمة "هوميروس"، بل مرآة تعكس مأزق الحضارة الغربية وهي تعيد بشكل مشوه صياغة ما تبنته من إرث يوناني ثقافي ليناسب قياس الصناعات الترفيهية، لتتحول فلسفة الهوية الجمعية والفردية، والقوة والحكمة المؤسسة لانتصار الإنسان على نفسه، إلى حسابات والربح والخسارة وانتصار الأدوات على المعنى.
تشي لنا طريقة اعادة انتاج الأسطورة هذه المرة، بالتحول من إبراز الحكمة التي كان يقصدها هوميروس إلى تعمد الإبهار البصري، مدى انقطاع الحضارة الغربية عن ماضيها المستعار والميل إلى قطع إنسانها عن امتداده التاريخي، لا وبل تسليعها لهذا التاريخ، لتحقيق أعلى ايراد مادي، لننتقل بشكل فج من انتاج المعنى إلى تشويهه بأدوات أكثر إبهارا.
ختاما، يختزل الفيلم أزمة الثقافة الغربية مع نفسها اذ يسلط الضوء على تآكل المعنى رغم تقدم التقنيات، وضياع الروح رغم تطور السرديات، وكأن الحضارة نفسها في ذروة قوتها المادية ضلت طريقها كالبطل "أوديسيوس" الذي ضاع في رحلة العودة من انتصار طروادة إلى بيته، وبعد ثلاثة آلاف عام، وعلى كل علات الفيلم ومميزاته تنجح الأوديسة "الشرقية الهوى" مرة أخرى في تذكير الغرب بأن أخطر أنواع التيه ليس الضياع في البحر، بل الضياع في الذاكرة والمعنى.