كتاب

لماذا تصر إيران على استهداف الدول العربية؟

منذ اندلاع المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، برز سؤال يفرض نفسه على كل تطور ميداني، وهو: لماذا تتعرض دول عربية للاعتداءات الإيرانية، رغم أنها ليست طرفا في هذه الحرب ولم تكن سببا في اندلاعها؟ فالمواجهة لم تبدأ على الأراضي العربية، ولم تنطلق بقرار عربي، كما أن كثيرا من الدول العربية أعلنت بوضوح أنها ليست جزءا من الصراع وأنها تسعى إلى حماية استقرارها وتجنيب المنطقة مزيدا من التصعيد.
الإجابة لا ترتبط بمجريات الحرب وحدها، بل بطبيعة الاستراتيجية الإيرانية في إدارة نفوذها الإقليمي، فمنذ عقود تنظر طهران إلى المنطقة العربية باعتبارها المجال الحيوي لمشروعها السياسي والأمني، وعملت عبر أدوات متعددة على توسيع حضورها والتأثير في موازين القوى وإثارة الفتن داخل عدد من الدول العربية، لذلك فإن الاستهداف الإيراني للدول العربية في أوقات الأزمات لا يمثل تحولا مفاجئا، وإنما يأتي امتدادا لنهج يقوم على توظيف الساحات العربية في خدمة مصالح الإيرانية ومحاولات فرض هيمنتها إقليميا.
تدرك إيران أن أي مواجهة مباشرة ومفتوحة مع خصومها المباشرين في هذه الحرب تحمل كلفة عسكرية وسياسية مرتفعة، لذلك تسعى إلى توسيع دائرة الضغط عبر استهداف دول تقع خارج إطار الحرب، والغاية ليست تحقيق مكاسب عسكرية مباشرة، وإنما نقل تداعيات الصراع إلى محيطه الإقليمي، بحيث تصبح الدول العربية هي التي تتحمل جزءا من الكلفة الأمنية والاقتصادية، رغم أنها لم تكن طرفا في قرار الحرب.
وتزداد أهمية هذا النهج لأن الدول العربية تمثل ركنا أساسيا في استقرار الاقتصاد العالمي، لا سيما وأن الممرات البحرية والموانئ والمطارات، والبنية التحتية للطاقة، تشكل شرايين رئيسية للتجارة الدولية، وأي اضطراب يصيب هذه المرافق ينعكس فورا على أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحركة النقل العالمي. ومن هنا، يصبح استهداف الدول العربية وسيلة لإنتاج تأثيرات تتجاوز حدود الصراع المباشر، وتفرض ضغوطا اقتصادية وسياسية على المجتمع الدولي بأكمله.
كما يعكس هذا السلوك رؤية إيرانية توسع مفهوم الخصومة ليشمل كل دولة لا تنسجم مع مشروعها الإقليمي الذي يخالف الأعراف والقوانين والمواثيق الدولية، أو تقف في وجه تمدده السياسي والأمني، وبهذا المعنى، لا يعود الحياد السياسي كافيا لتجنب الاستهداف، لأن معيار الخصومة لا يتحدد فقط بالمشاركة في العمليات العسكرية، وإنما أيضا بالموقع الجيوسياسي، وبالدور الذي تؤديه الدولة في حماية استقرارها وسيادتها ورفض التدخل في شؤونها الداخلية، وكذلك رفض انخراطها في مشاريع هيمنة وحروب عبثية.
وفي الوقت نفسه، ورغم أن سياسات النظام الإيراني كانت السبب الرئيس في تدمير مقدرات بلاده، يحتاج هذا النظام إلى توجيه رسائل إلى الداخل تؤكد أنه ما يزال قادرا على المبادرة والتأثير، وأن الضغوط العسكرية المفروضة عليه لم تحد من قدرته على فرض معادلات جديدة، لذلك يوفر توسيع دائرة الاستهداف رواية سياسية وإعلامية تعزز صورة القوة الموهومة، حتى وإن كانت الأهداف المختارة بعيدة عن مسرح المواجهة الأصلي.
لكن هذه السياسة تحمل مفارقة استراتيجية واضحة، إذ إنها بدلا من إضعاف البيئة العربية أو دفعها إلى إعادة حساباتها، أسهمت في تعزيز الإدراك العربي بأن أمن الدول العربية بات قضية على درجة عالية من الأهمية ولا يجوز أن تبقى رهينة لصراعات الآخرين، كما دفعت إلى توسيع التعاون الدفاعي، وتعزيز التنسيق الأمني والاستخباري، وتسريع بناء منظومات جماعية لحماية المجالين الجوي والبحري، انطلاقا من قناعة بأن التهديدات لم تعد تقتصر على الدول المنخرطة في الحروب، وإنما قد تطال أيضا الدول التي اختارت الاستقرار والحياد.
في المحصلة، يمكن القول إن أخطر ما تكشفه هذه التطورات أن الدول العربية لم تستهدف لأنها بدأت الحرب، بل لأنها تمثل ركائز مهمة للاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة، ولأنها رفضت أن تتحول أراضيها إلى ساحات نفوذ أو أدوات في مشاريع هيمنة إقليمية، ولهذا، فإن حماية الأمن العربي لم تعد ترتبط فقط باحتواء تداعيات الحروب، وإنما أيضا بمواجهة محاولات تحويل المنطقة إلى مسرح دائم لتصفية الصراعات وتحقيق المكاسب الجيوسياسية على حساب سيادة الدول واستقرار شعوبها.