أكد خبراء اقتصاديون أن التوجيهات الحكومية لتقييم الآثار الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن الظروف الجيوسياسية على القطاع السياحي، والبحث عن إجراءات عاجلة لدعم النشاط السياحي في إقليم البترا، تمثل خطوة ضرورية لحماية أحد أهم القطاعات الإنتاجية والتشغيلية في الاقتصاد الوطني.
ولفت الخبراء، في أحاديث لـ«الرأي»، إلى أن سرعة استجابة الحكومة لعقد اجتماع ميداني في البترا، وإشراك جميع الجهات المعنية، تعكس إدراكًا حكوميًا بأن الأزمة التي يواجهها القطاع السياحي ليست أزمة متعلقة بتراجع النشاط السياحي، بل هي أزمة سيولة واستدامة للمنشآت والوظائف في هذا القطاع.
تنفيذًا لتوجيهات رئيس الوزراء بإجراء تقييم شامل للآثار الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن الأزمة والظروف الجيوسياسية الراهنة وانعكاساتها على القطاع السياحي، ولا سيما في إقليم البترا التنموي السياحي، عقد وزير السياحة والآثار الدكتور عماد حجازين اجتماعًا موسعًا في البترا على جلستين، بمشاركة رئيس مجلس مفوضي سلطة إقليم البترا التنموي السياحي، ومحافظ معان، ومدير عام المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، ونائب محافظ البنك المركزي، ومساعد مدير عام صندوق التنمية والتشغيل، وممثل عن هيئة تنشيط السياحة، إلى جانب ممثلي مختلف القطاعات والتعاونيات السياحية العاملة في الإقليم.
وبحث الاجتماع الواقع الفعلي للقطاع السياحي في البترا، وحجم الأضرار التي لحقت بالمنشآت والعاملين، إضافة إلى تحديد أولويات التدخل الحكومي بما يسهم في الحفاظ على استدامة النشاط السياحي، والحد من الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي فرضتها الأزمة الحالية.
وشارك في الجلسة الأولى ممثلو جمعية الفنادق الأردنية، وتعاونية الفنادق في إقليم البترا، وشركات الفنادق العالمية، وتعاونية المكاتب السياحية، فيما ضمت الجلسة الثانية ممثلي جمعية أدلاء السياح الأردنيين/البترا، وتعاونية عاصمة الأنباط، وجمعية أصحاب الرواحل.
وخلال الاجتماع، جرى الاتفاق على مجموعة من التوصيات تضمنت حزمة من الإجراءات، أبرزها تأجيل وإعادة جدولة الالتزامات المالية المستحقة على القطاع السياحي تجاه البنوك، والمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، وشركات الكهرباء والمياه، إلى جانب المساهمة في رواتب العاملين.
كما ناقش المجتمعون عددًا من الحلول المستدامة، في مقدمتها تحديد موارد حساب إدارة المخاطر لدى السلطة، بهدف توفير مظلة مالية تساعد في مواجهة الأزمات المستقبلية، بالإضافة إلى إطلاق حزمة من البرامج السياحية التي تسهم في إعادة تنشيط الحركة السياحية في المثلث الذهبي، وتشمل المبيت في البترا. وتستهدف هذه البرامج، التي تقدم بدعم من هيئة تنشيط السياحة، استقطاب السياح من عرب 48، ودول الخليج العربي، ومصر، ولبنان، وروسيا، بأسعار تنافسية، وبالتعاون مع الملكية الأردنية وشركة الجسر العربي.
وقال الخبير الاقتصادي حسام عايش إن هذه الإجراءات السريعة والتخفيفية، الهادفة إلى إدامة الحركة السياحية، تمثل خطوة مهمة في مثل هذه الظروف التي ينخفض فيها النشاط السياحي والإيرادات السياحية، وبالتالي يواجه العاملون في هذا القطاع، أفرادًا ومؤسسات، كلفًا إضافية، وهو ما تنبهت إليه الحكومة من خلال أهمية التمويل والتخفيف عن جانب العرض السياحي، إلى جانب تقديم خطط وبرامج لتحفيز النشاط السياحي.
وأشار عايش إلى أن السائح الاستراتيجي هو السائح الأردني، وأن من المهم التطلع إلى متطلباته والاستفادة من إمكاناته التعويضية، إما لتقليل خسائر توقف الحركة السياحية بسبب ظروف المنطقة، أو ليكون عاملًا إضافيًا في زيادة الإيرادات السياحية، لافتًا إلى أن حجم الإيرادات السياحية بلغ نحو 3.5 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى.
وبيّن عايش أن هذه الإجراءات الحكومية تأتي لتلعب دورًا مهمًا، أولًا لأن الحكومة تؤكد أنها تقف إلى جانب القطاع السياحي، باعتباره أحد أهم مصادر العملات الأجنبية، كما أنها توجه رسالة واضحة بأهمية تنويع الأسواق السياحية.
وأشار إلى أن تنويع الأسواق، إلى جانب تنشيط السياحة الداخلية، يمثلان عنصرين أساسيين في تعزيز قدرة القطاع على مواجهة الأزمات، والحد من آثار التوترات الإقليمية على الحركة السياحية، بما يضمن استدامة النشاط السياحي والحفاظ على فرص العمل المرتبطة به.
وأشار الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة إلى أن سرعة استجابة الحكومة لعقد اجتماع ميداني في البترا، وإشراك جميع الجهات المعنية، تعكس إدراكًا حكوميًا بأن الأزمة التي يواجهها القطاع السياحي ليست أزمة متعلقة بتراجع النشاط السياحي، بل هي أزمة سيولة واستدامة للمنشآت والوظائف في هذا القطاع.
وأضاف أن القطاع السياحي يعد أحد أهم القطاعات المولدة للعملات الأجنبية وفرص العمل في الأردن، وأن أي تراجع في نشاط البترا، باعتبارها الوجهة السياحية الأولى في المملكة، يمتد أثره إلى قطاعات النقل والتجارة والمطاعم والحرف اليدوية والخدمات.
وذكر أن الإجراءات الحكومية المتعلقة بتأجيل وإعادة جدولة الالتزامات المالية تجاه البنوك، والمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، وشركات الخدمات، تخفف الضغوط النقدية عن المنشآت، لكنها لا تمثل حلًا دائمًا، وإنما توفر الوقت اللازم حتى تعود الحركة السياحية تدريجيًا. كما أضاف مخامرة أن الأولوية في هذه المرحلة هي المحافظة على استمرار المنشآت ومنع فقدان العمالة الماهرة، لأن إعادة بناء رأس المال البشري بعد خروجه من القطاع ستكون أكثر كلفة.
وأضاف أن من الجوانب الإيجابية أيضًا التوجه لإنشاء موارد مخصصة لحساب إدارة المخاطر، في ظل تكرار الأزمات الجيوسياسية، إذ إن القطاع السياحي من أكثر القطاعات تأثرًا بها، مما يجعل وجود صندوق أو آلية تمويل للطوارئ ضرورة استراتيجية، وليس خيارًا.
وأشار إلى أن البرامج الترويجية الموجهة لأسواق قريبة، مثل دول الخليج، وعرب 48، ومصر، ولبنان، وروسيا، تمثل خطوة عملية لتنويع الأسواق السياحية، وتقليل الاعتماد على أسواق بعيدة قد تتأثر بصورة أكبر بالأوضاع الإقليمية، خاصة إذا اقترنت بحملات تسويقية قوية وتسهيلات في النقل الجوي.
كما لفت مخامرة إلى أن التحدي الحقيقي يتمثل في سرعة التنفيذ، فالقطاع السياحي يحتاج إلى قرارات تدخل حيز التطبيق خلال أسابيع، وليس أشهر، لأن استمرار تراجع التدفقات السياحية قد يؤدي إلى خروج بعض المنشآت من السوق.
وختم مخامرة بالقول إن ما أُعلن عنه يمثل حزمة إنقاذ قصيرة الأجل لتخفيف آثار الأزمة، لكنه ينبغي أن يتبع بخطة تعافٍ متوسطة وطويلة الأجل، تركز على تنويع الأسواق المصدرة للسياح، وتعزيز السياحة الداخلية، ورفع تنافسية المنتج السياحي الأردني، وبناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة الصدمات المستقبلية.
أكد الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الحدب أن التوجيهات الحكومية لتقييم الآثار الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن الظروف الجيوسياسية على القطاع السياحي، والبحث عن إجراءات عاجلة لدعم النشاط السياحي في إقليم البترا، تمثل خطوة ضرورية لحماية أحد أهم القطاعات الإنتاجية والتشغيلية في الاقتصاد الوطني.
وأشار الحدب إلى أن القطاع السياحي أثبت قدرته على التعافي، إذ بلغ عدد زوار المملكة الدوليين خلال عام 2024 نحو 6.1 مليون زائر، فيما وصل عدد العاملين في الأنشطة السياحية إلى نحو 56 ألف عامل. كما ارتفع الدخل السياحي خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من عام 2025 بنسبة 7%، ليبلغ نحو 7.16 مليار دولار، بالتزامن مع ارتفاع أعداد السياح بنسبة 14.7%، وفق بيانات البنك المركزي الأردني.
وبيّن أن هذه المؤشرات تؤكد الأهمية الاستراتيجية للسياحة في توليد العملات الأجنبية، وتحفيز الاستثمارات، وتوفير فرص العمل، لكنها لا تعني أن جميع المقاصد والمنشآت السياحية استفادت بالمستوى نفسه؛ فالبترا أكثر اعتمادًا على السياحة الدولية وسياحة المبيت، ولذلك تتأثر بصورة أسرع بإلغاء الحجوزات، وتحذيرات السفر، وتراجع الرحلات الجوية نتيجة الأزمات الإقليمية.
وأوضح الحدب أن أثر تراجع السياحة في البترا لا يقتصر على الفنادق والمكاتب السياحية، بل يمتد إلى الأدلاء السياحيين، وأصحاب الرواحل، والمطاعم، والنقل، والمتاجر، والحرفيين، والتعاونيات، فضلًا عن مئات الأسر التي تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على إنفاق الزوار. ومن هنا، فإن حماية النشاط السياحي في البترا تعد تدخلًا اقتصاديًا واجتماعيًا وتنمويًا، وليست مجرد مساعدة لقطاع محدد.
ولفت إلى أهمية التوصيات المتعلقة بتأجيل الالتزامات المالية وإعادة جدولتها تجاه البنوك، والمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، وشركات الكهرباء والمياه، إلى جانب المساهمة في رواتب العاملين، مؤكدًا أن نجاح هذه الإجراءات يتطلب سرعة التنفيذ، وتحديد مدة زمنية واضحة، ووضع معايير تضمن وصول الدعم إلى المنشآت والعاملين الأكثر تضررًا.
وأكد الحدب أن المحافظة على العمالة يجب أن تتصدر الأولويات، لأن فقدان الكفاءات المدربة وانتقالها إلى قطاعات أخرى يرفع كلفة التعافي مستقبلًا. وأضاف أن دعم جزء من رواتب العاملين لفترة محددة يمكن أن يكون أقل كلفة اقتصاديًا واجتماعيًا من فقدان الوظائف وتعثر المنشآت، على أن يرتبط الدعم بالمحافظة على العمالة واستدامة التشغيل.
وأشار إلى أن معالجة الأزمة لا ينبغي أن تقتصر على تأجيل الالتزامات، بل يجب أن تتزامن مع إجراءات لتنشيط الطلب. وأوضح أن استهداف أسواق دول الخليج، ومصر، ولبنان، وروسيا، وعرب 48، يشكل توجهًا مناسبًا لتنويع الأسواق وتقليل الاعتماد على سوق سياحية واحدة، خاصة عند تصميم حزم تنافسية بالتعاون مع الملكية الأردنية، وشركة الجسر العربي، وهيئة تنشيط السياحة.
وأضاف أن الهدف لا يجب أن يقتصر على زيادة عدد الزوار، وإنما ينبغي التركيز على عدد ليالي المبيت ومتوسط إنفاق السائح، فالزائر الذي يمكث ليلة أو أكثر في البترا يحقق عائدًا أكبر للفنادق، والمطاعم، والنقل، والأسواق المحلية مقارنة بزائر اليوم الواحد.
وأشار الحدب إلى أن تجربة عام 2025 توضح أهمية سياحة المبيت؛ إذ بلغ عدد سياح المبيت في المملكة خلال الأشهر الأربعة الأولى نحو 1.765 مليون سائح، بزيادة 15.3%، بينما بلغ عدد زوار اليوم الواحد نحو 360 ألف زائر، بزيادة 41.6%. وبلغ إجمالي عدد الزوار الدوليين خلال الفترة نفسها نحو 2.125 مليون زائر، فيما وصل الدخل السياحي إلى 1.721 مليار دينار، مرتفعًا بنسبة 15.3%، وفق بيانات وزارة السياحة والآثار.
وأكد أهمية تحويل المثلث الذهبي، الذي يضم البترا ووادي رم والعقبة، إلى منتج سياحي متكامل يجمع النقل، والإقامة، والفعاليات، والتجارب المحلية ضمن برنامج واحد، بما يطيل مدة إقامة السائح، ويرفع إنفاقه، ويوزع العائد السياحي على عدد أكبر من المنشآت والمجتمعات المحلية.
وثمّن الحدب حزمة التسهيلات التي أقرتها سلطة إقليم البترا، وتشمل إعفاء مستأجري السوق التجاري الجديد من 10% من بدل الخدمات، وإعفاء المنشآت السياحية والتجارية من بدل زيادة النفايات بنسبة 95% عن عام 2026، إلى جانب تسوية الديون المترتبة على مستأجري المجمع التجاري القديم، التي تجاوزت 300 ألف دينار.
وبيّن أن هذه التسهيلات تخفض جانبًا من الكلف الثابتة، لكنها تحقق أثرًا أكبر عندما تُدمج مع إعادة جدولة القروض، ودعم الأجور، وتنشيط الحجوزات، وتوفير برامج تمويل ميسرة للمنشآت القابلة للاستمرار، بحيث تتشكل حزمة اقتصادية متكاملة بدلًا من إجراءات منفصلة.
ودعا الحدب إلى الإسراع في توفير موارد مستدامة لحساب إدارة المخاطر لدى سلطة الإقليم، بحيث يعمل بوصفه مظلة مالية دائمة لدعم الأجور والمنشآت، وتنفيذ حملات ترويج عاجلة عند وقوع الأزمات. وشدد على ضرورة إدارة الحساب وفق مؤشرات قابلة للقياس، مثل نسب الإشغال، وعدد الحجوزات الملغاة، وحجم تراجع الإيرادات، وعدد الوظائف المهددة.
وختم الحدب بالقول إن البترا ليست موقعًا أثريًا فحسب، بل منظومة اقتصادية واجتماعية تعتمد عليها مجتمعات محلية بأكملها، مؤكدًا أن المطلوب هو الانتقال السريع من تقييم الأضرار إلى برنامج تنفيذي محدد التمويل، والمدة، والمسؤوليات، يجمع بين حماية الوظائف، وتخفيف الالتزامات، وتنشيط الطلب، وإطالة مدة إقامة السائح، وبناء آلية دائمة لإدارة المخاطر.
خبراء: التحرك الحكومي عزز صمود القطاع السياحي في البترا
11:42 21-7-2026
آخر تعديل :
الثلاثاء