تكشف التطورات الأخيرة في الضفة الغربية عن انتقال المشروع الاستيطاني الإسرائيلي إلى مرحلة جديدة تستهدف المنطقة 'ب'، بعد أن شكلت المنطقة 'ج' طوال العقود الماضية المجال الرئيس للتوسع الاستيطاني، ويعكس إنشاء 21 بؤرة استيطانية جديدة خلال عامين ونصف العام، وفق ما وثقته حركة 'السلام الآن'، تحولا في أولويات حكومة الاحتلال باتجاه إعادة تشكيل الخريطة الجغرافية والسياسية للضفة الغربية، وإضعاف الأسس التي قامت عليها اتفاقية أوسلو، تمهيدا لفرض واقع جديد يرسخ السيطرة الإسرائيلية على الأرض.
وتشير طبيعة البؤر الجديدة ومواقعها إلى وجود تخطيط سياسي وأمني منظم، يستهدف مناطق خاضعة للولاية المدنية الفلسطينية بموجب اتفاقية أوسلو الثانية، وتكشف هذه السياسة انتقال حكومة الاحتلال إلى تطبيق مشروع الضم الزاحف عبر إعادة توزيع السيطرة على الأرض، وتقليص المساحات الخاضعة للإدارة الفلسطينية، وخلق معادلات ميدانية تمنح إسرائيل اليد العليا في أي ترتيبات سياسية مستقبلية.
وتضع هذه الإجراءات اتفاقية أوسلو أمام اختبار حقيقي، لأن التوسع الاستيطاني داخل المنطقة 'ب' يمس أحد أهم الأسس التي قامت عليها الاتفاقية، والمتمثل في توزيع الصلاحيات بين الجانبين، كما تعكس هذه الممارسات انتهاكا واضحا للقانون الدولي، إذ تحظر المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة نقل سكان دولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة، وأكد قرار مجلس الأمن رقم (2334) عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية، فيما خلص الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية إلى عدم قانونية استمرار الاحتلال والاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وتؤكد المعطيات الميدانية أن المشروع الاستيطاني يعتمد منظومة متكاملة تبدأ بمصادرة الأراضي، وشق الطرق، والاستيلاء على مصادر المياه، وإقامة المراعي الاستيطانية، وتنتهي بفرض سيطرة فعلية على محيط التجمعات الفلسطينية، وتسهم هذه الأدوات في تقليص المساحات المتاحة للفلسطينيين، وإضعاف النشاط الزراعي، ودفع العديد من التجمعات الريفية إلى الرحيل تحت ضغط الاعتداءات والجرائم المتكررة التي ينفذها المستوطنون بحماية قوات الاحتلال.
وتكشف آليات التمويل عن الطابع الرسمي لهذه السياسة، حيث تؤكد الموازنات الحكومية المخصصة للطرق والبنية التحتية والمعدات الأمنية والحماية العسكرية أن البؤر الاستيطانية تنشأ ضمن برنامج حكومي منظم، تشارك في تنفيذه مؤسسات الدولة والأجهزة العسكرية والمنظمات الاستيطانية، وتؤسس هذه المنظومة لفرض سيادة إسرائيلية فعلية على مساحات واسعة من الضفة الغربية، بعيدا عن أي إعلان رسمي للضم.
وتقود هذه السياسة إلى تغيير تدريجي في البنية القانونية والإدارية للضفة الغربية، حيث اتسعت صلاحيات سلطات الاحتلال داخل المنطقتين 'أ' و'ب'، بالتوازي مع استمرار النشاط الاستيطاني، الأمر الذي يضعف صلاحيات السلطة الفلسطينية، ويحول التقسيمات التي نصت عليها اتفاقية أوسلو إلى ترتيبات شكلية تفتقر إلى أثرها العملي على الأرض.
وتنعكس هذه الوقائع مباشرة على مستقبل القضية الفلسطينية، فكل بؤرة استيطانية جديدة تؤدي إلى تقطيع التواصل الجغرافي بين المدن والقرى الفلسطينية، وكل طريق استيطاني جديد يوسع نطاق السيطرة الإسرائيلية، وكل عملية استيلاء على الأراضي تقلص المساحة التي يمكن أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية، ومع تراكم هذه الإجراءات، تصبح فرص الوصول إلى تسوية سياسية أكثر تعقيدا، نتيجة تغير الخريطة الميدانية بصورة متسارعة.
ويحمل هذا المسار تداعيات تتعدى الساحة الفلسطينية، لأن تقويض فرص التسوية يفتح المجال أمام دورات جديدة من التصعيد وعدم الاستقرار، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وسياسي وقانوني يتعلق بقدرته على حماية النظام القانوني الذي أقر عدم شرعية الاحتلال والاستيطان، كما أن استمرار الاكتفاء ببيانات الإدانة يمنح حكومة الاحتلال مساحة أوسع لترسيخ وقائع جديدة، تفرض نفسها على أي مسار تفاوضي مستقبلي.
في المحصلة، تؤكد التطورات في المنطقة 'ب' أن المشروع الاستيطاني دخل مرحلة إعادة رسم الحدود الفعلية للضفة الغربية، عبر فرض السيطرة على الأرض قبل أي تسوية سياسية، وتنسجم هذه السياسة مع رؤية حكومة الاحتلال المتطرفة التي تعمل على تقويض مقومات الدولة الفلسطينية بصورة تدريجية، وفرض واقع سياسي وجغرافي جديد، تتحول معه الحدود التي أقرتها الاتفاقيات إلى حدود ترسمها البؤر الاستيطانية وشبكات الطرق وموازين القوة على الأرض، في مخالفة صريحة للقانون الدولي ولقرارات الشرعية الدولية، في مسار يهدد مستقبل الاستقرار في الأراضي الفلسطينية والمنطقة بأكملها.
الضم الزاحف يقوض التسوية وينسف أسس الدولة الفلسطينية
11:51 21-7-2026
آخر تعديل :
الثلاثاء