عربي ودولي

استراتيجية إسرائيلية لفرض واقع جديد في الضفة

21 بؤرة استيطانية جديدة تتحدى اتفاقيات أوسلو

أداة لتقويض «حل الدولتين» وتغيير الواقع الديموغرافي
إنشاء مراعٍ استيطانية وتهجير تجمعات رعوية فلسطينية

كشف تقرير حقوقي حديث أن الحكومة الإسرائيلية كثفت خلال الأعوام الأخيرة سياساتها الاستيطانية في الضفة الغربية، ولا سيما في المناطق المصنفة «ب»، في خطوة وصفها التقرير بأنها تمثل تحولاً غير مسبوق يهدف إلى فرض وقائع ميدانية جديدة تقوض اتفاقيات أوسلو وتحد من فرص إقامة الدولة الفلسطينية.

وبحسب معطيات أوردتها حركة «السلام الآن» الإسرائيلية، فإن العامين والنصف الماضيين شهدا إنشاء ما لا يقل عن 21 بؤرة استيطانية جديدة في عمق المنطقة «ب»، التي تخضع، وفق اتفاقية أوسلو الثانية لعام 1995، للولاية المدنية الفلسطينية، بما في ذلك التخطيط والبناء، مع احتفاظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية.

ويعد هذا التطور الأول من نوعه منذ توقيع الاتفاقيات، إذ تجاوزت البؤر الجديدة حالات التوسع المحدودة التي كانت تقتصر سابقاً على أطراف المنطقة «ب»، لتقام داخلها وفي بعض الحالات بمحاذاة المنطقة «أ».

وأشار التقرير إلى أن عام 2024 شكّل نقطة تحول في السياسة الاستيطانية الإسرائيلية، بعدما وثق فريق مراقبة المستوطنات التابع لحركة «السلام الآن» إنشاء سبع بؤر استيطانية جديدة داخل المنطقة «ب»، قبل أن يرتفع العدد إلى 21 بؤرة بحلول عام 2026، توزعت في مناطق شرق وجنوب بيت لحم، ورام الله، وتلال جنوب الخليل، ونابلس.

ويرى التقرير أن هذا التحول يعكس تغييراً في النهج الحكومي الإسرائيلي، خاصة بعد تراجع عمليات إزالة البؤر التي كانت تنفذها الإدارة المدنية التابعة لجيش الاحتلال، في وقت أصبحت فيه البؤر الجديدة تنشأ في عمق المناطق الفلسطينية، بما يوسع نطاق السيطرة الإسرائيلية على أراضٍ كان يفترض أن تشكل جزءاً من الدولة الفلسطينية المستقبلية.

ورغم التصريحات التي أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن ضرورة إزالة بعض هذه البؤر، فإن الوقائع الميدانية، وفق التقرير، تشير إلى استمرارها وتوسعها، حيث أضيفت إليها مبانٍ جديدة واستقبلت مزيداً من المستوطنين، إلى جانب إنشاء بؤر إضافية.

وأوضح تقرير مشترك صادر عن حركة «السلام الآن» ومنظمة «كيرم نافوت» أن المستوطنين يعتمدون مجموعة من الوسائل لترسيخ وجودهم، تشمل إنشاء مراعٍ استيطانية، وشق طرق جديدة، والسيطرة على مصادر المياه، وتهجير التجمعات الرعوية الفلسطينية، الأمر الذي مكّنهم من فرض السيطرة على نحو 14 بالمئة من مساحة الضفة الغربية، بما يعادل نحو 786 ألف دونم، من بينها أكثر من 34 ألف دونم تقع ضمن المناطق المصنفة «أ» و'ب» و'المحمية المتفق عليها».

وكشف التقرير عن وجود منظومة تمويل حكومية منظمة لدعم هذه البؤر، إذ تخصص الحكومة الإسرائيلية نحو 54 مليون شيكل سنوياً ضمن بند «الاحتياجات الأمنية للنقاط الاستيطانية»، لتمويل إنشاء الطرق، والألواح الشمسية، والبوابات الإلكترونية، والمركبات، والطائرات المسيّرة، والكاميرات، والمولدات الكهربائية.

ورصد التقرير تخصيص نحو 30 مليون شيقل سنوياً لتمويل ما يعرف بـ'وحدات المراقبة»، التي تتولى بناء الطرق، وتركيب الأسوار والبوابات والكاميرات، إضافة إلى منح قدمتها وزارة الزراعة الإسرائيلية بلغت نحو ثلاثة ملايين شيقل بين عامي 2017 و2024 لدعم مشاريع الرعي في البؤر الاستيطانية.

وأشار التقرير أيضاً إلى أن منظمة «أمانا» الاستيطانية، التي فرضت عليها الولايات المتحدة وبريطانيا عقوبات بسبب دعمها للبؤر المرتبطة بأعمال عنف ضد الفلسطينيين، استثمرت ملايين الشواقل في إنشاء هذه البؤر وصيانتها.

وفي السياق ذاته، وثقت حركة «السلام الآن» قيام المستوطنين بشق ما لا يقل عن 139 طريقاً استيطانياً غير مرخص، بطول يزيد على 116 كيلومتراً خلال الفترة بين منتصف عام 2023 ومنتصف عام 2024، بينها طرق داخل المنطقة «ب».

وتمر نحو 65 بالمئة من هذه الطرق عبر أراضٍ فلسطينية خاصة، وتستخدم، بحسب التقرير، لتوسيع السيطرة الاستيطانية ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم الزراعية.

وأضاف التقرير أن الحكومة الإسرائيلية تمول هذه المشاريع تحت بند «المتطلبات التشغيلية الأمنية»، بموافقات قانونية من وزارتي العدل والدفاع، معتبراً أن ذلك يمثل استخداماً للغطاء القانوني لتمويل أنشطة استيطانية مخالفة للقانون الدولي.

وتزامن التوسع الاستيطاني، بحسب التقرير، مع قرارات حكومية وسعت صلاحيات سلطات الاحتلال داخل المنطقتين «أ» و«ب».

ففي 2024، مُنحت الإدارة المدنية صلاحية هدم المباني الفلسطينية داخل «المحمية الطبيعية المتفق عليها»، وهي صلاحية كانت تتولاها السلطة الفلسطينية، قبل أن يقرر المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي لاحقاً توسيع صلاحيات سلطات الإنفاذ التابعة للإدارة المدنية في المنطقتين «أ» و«ب» لتشمل قضايا البيئة والآثار والموارد المائية.

واعتبرت حركة «السلام الآن» أن هذه الإجراءات تهدف إلى طمس الفوارق القانونية والإدارية بين المناطق «ب» و«ج»، وتقويض أحد أهم الأسس التي قامت عليها اتفاقيات أوسلو، بما يكرس واقعاً جديداً يوسع النفوذ الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية.