كتاب

التحرك العربي الاستباقي

بشكل تدريجي، ورغم سياسة ضبط النفس، تزداد فرصة تدخل عربي في الحرب مع إيران؛ فالحوثيون يحاولون استفزاز السعودية بتهديد ملاحتها في مضيق باب المندب بأوامر من طهران، والهجمات الإيرانية على بقية الدول العربية تتصاعد بحجة الرد على القصف الأمريكي. بات من الواضح أن طهران تسعى بجدية إلى توسيع نطاق الحرب لرفع كلفتها على الجميع.
أما في سياق الجلوس إلى طاولة التفاوض مع واشنطن، فقد دخل النظام الإيراني في حالة استعصاء نتيجة انقسام داخلي بين دعاة التصعيد ودعاة التفاوض. وبغض النظر عمّا إذا كان هذا الانقسام حقيقيًا -ويعني أن الولايات المتحدة تفاوض فريقًا لا يملك صلاحيات اتخاذ القرار- أو كان مفتعلًا لتوسيع هامش المناورة التفاوضية، بما يتيح للمفاوض الاستفادة من أثر الهجمات العسكرية التي ينفذها الحرس الثوري من دون تحمُّل تبعاتها التفاوضية في الوقت نفسه، فإن النتيجة واحدة: النظام في طهران يرغب في جرّ المنطقة إلى خيارات أكثر صعوبة.
بتصوري، هناك ثلاثة سيناريوهات منطقية لنهاية هذه الأزمة؛ الأول، سقوط النظام الإيراني، وهذا لا يضمن عدم عودة ما يشبه نظام الشاه الذي مارس البلطجة في المنطقة، والثاني، استمراره بصيغة وديعة لفترة مؤقتة من ثَم عودته لحالته الأيديولوجية لاحقًا، والسيناريو الثالث ويتمثل في بقاء هذا النظام بوضعه الحالي مع شعوره بالانتصار، وفي هذه الحالة سنقف أمام ما هو أسوأ مما فات.
ما يزيد الطين بلة هو أن واشنطن تسعى أيضًا إلى تدويل الصراع وفي مسارين: الأول من خلال السعي لإجبار الناتو على التدخل لحل أزمة الطاقة والتجارة التي يتسبب بها إغلاق مضيق هرمز، والثاني، بعدم تحييد قدرات إيران على ضرب الدول العربية، بالتالي الدفع باتجاه إجبار الدول العربية على التدخل المباشر في لحظة معينة.
إذن لا مناص من تحرك عربي استباقي وسريع، والبداية يجب أن تكون من إنهاء الخلافات البينية، وبالضغط الجماعي على واشنطن لقبول فكرة تكوُّن قوة عربية موحدة تضبط إيقاع المنطقة مستقبلًا، واستغلال إعلان واشنطن عن رغبتها في نقل ثقلها العملياتي إلى النصف الغربي من الكرة الأرضية كما أُعلن في استراتيجية الدفاع الأمريكية المنشورة مطلع هذا العام.
القصة ببساطة أن الدول العربية (كجسم واحد) قادرة اليوم على تسييل علاقاتها مع واشنطن لاستباق مآلات المشهد الإيراني، والتغيرات المرتقبة في إسرائيل، ولمجابهة أي مشروع مستقبلي لأي دولة أخرى.
بشكل عام، تملك دول المشرق العربي بالذات خصائص اقتصادية جيدة وجغرافيا ثمينة واستقرارا في أنظمة الحكم، وما ينقصها هو إرادة جماعية لإدارة هذه الميزات ووضعها في سلة واحدة عندما يكون العنوان الاستقرار في المنطقة، وما يترتب عليه من ازدهار وتطور وتنمية مستدامة.