اقتصاد

حقل الريشة.. الغاز المحلي يعيد رسم مستقبل الاقتصاد الأردني

«كنز الأردن المدفون» وأكبر رهان لأمن الطاقة

يشهد قطاع الغاز الطبيعي في الأردن اليوم تحولاً استراتيجياً قد يكون الأكبر منذ اكتشاف حقل الريشة في ثمانينيات القرن الماضي وبدء إنتاجه عام 1989.
فبعد سنوات طويلة من الاعتماد شبه الكامل على الغاز المستورد، تحول إلى أحد أهم المشاريع الاستراتيجية التي تراهن عليها الدولة لإعادة رسم خريطة أمن الطاقة في الأردن، وتقليص الاعتماد على الواردات وخفض فاتورة الطاقة وتعزيز تنافسية الصناعة الوطنية، وصولاً إلى بناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة التقلبات الإقليمية والعالمية.
وفقاً للبيانات الحالية يعتمد الأردن على الغاز الطبيعي لتوليد معظم احتياجاته من الكهرباء، حيث يبلغ الاستهلاك اليومي للمملكة نحو 340 مليون قدم مكعب.
وفي المقابل لا يزال الإنتاج المحلي يغطي جزءاً محدوداً من هذا الطلب، ويتركز بالكامل في حقل الريشة الواقع شرق المملكة، والذي يسهم حالياً بنحو 45 مليون قدم مكعب يومياً في الاستهلاك المحلي.
وفي إطار السعي لتغيير هذا الواقع وضعت الحكومة الأردنية بالتعاون مع شركة البترول الوطنية برنامجاً واسعاً لتطوير الحقل يتضمن حفر عشرات الآبار الجديدة (قد تصل إلى 80 بئراً خلال السنوات المقبلة) وإنشاء مرافق معالجة حديثة للغاز، إضافة إلى تنفيذ مشروع ربط حقل الريشة بخط الغاز العربي عبر خط أنابيب (الريشة–الخناصري) وتمديد امتياز شركة البترول الوطنية حتى عام 2061 لضمان استمرارية الاستثمار وتوفير دعم حكومي وتمويل لتسريع أعمال التطوير.
وتستهدف الخطة الحالية رفع الإنتاج إلى 418 مليون قدم مكعب يومياً بحلول عام 2029، ثم مضاعفته إلى نحو 810 ملايين قدم مكعب يومياً بحلول عام 2035.
وتحقيق هذه الأرقام لن يمنح الأردن الاكتفاء الذاتي فحسب، بل سيوفر فائضاً يمكن استغلاله في الصناعات الجديدة أو التوسع في إنتاج الكهرباء أو حتى إنتاج الهيدروجين الأزرق وتصدير الغاز مستقبلاً.
وقد شهد عام 2026 خطوات عملية ملموسة، تمثلت في إقرار مشروع ربط الريشة بخط الغاز العربي، واستمرار برنامج حفر الآبار، وتخصيص دعم حكومي بقيمة 87 مليون دينار ممتد على ثلاث سنوات لشركة البترول الوطنية.
من جانبه يؤكد خبير الطاقة هاشم عقل أن حقل الريشة يمثل «كنز الأردن المدفون»، مشيراً إلى أن الجدوى الاقتصادية للمشروع ستنعكس على عدة مستويات رئيسية أولا خفض فاتورة استيراد الطاقة حيث ينفق الأردن سنوياً مبالغ ضخمة على استيراد الغاز والوقود، وكل قدم مكعب يُنتج محلياً يعني تقليل الاستيراد، وتخفيف الضغط على العملات الأجنبية، وتحسين الميزان التجاري، وتعزيز أمن الطاقة.
ويلفت إلى أنه سيعمل على استقرار الأسعار الإنتاج المحلي أقل عرضة للتقلبات الجيوسياسية مقارنة بالغاز المستورد، لا سيما في ظل الأزمات الإقليمية، إضافة إلى أنه يعمل علي جذب الاستثمارات والصناعات فتوفر الغاز المحلي بأسعار مستقرة يشجع الصناعات الثقيلة، والكيماوية، والأسمدة، والتعدين، والصناعات الغذائية.
الأثر المباشر على الصناعة والكهرباء.
ويوضح عقل أن القطاع الصناعي سيكون أكبر المستفيدين؛ إذ إن انخفاض تكلفة الغاز يعني خفض كلف الإنتاج وزيادة القدرة التنافسية للصادرات وتوفير فرص العمل.
أما بشأن قطاع الكهرباء، فيبين عقل أن زيادة حصة الغاز المحلي ستخفض كلفة الوقود في المحطات وتحسّن وضع شركة الكهرباء الوطنية مالياً، وتقلل العبء عن الحكومة.
غير أنه يلفت نظر المواطن إلى أن هذا التحسن قد لا ينعكس فوراً وبشكل مباشر على فاتورة الكهرباء المنزلية، نظراً لارتباط التعرفة بعوامل أخرى مثل كلف النقل والتوزيع، والاستثمارات في الشبكة، وحجم الطلب، والسياسات الحكومية. لذا، فإن الأثر سيظهر أولاً في تحسين الوضع المالي لقطاع الكهرباء، ثم ينعكس لاحقاً على الأسعار أو يحد من أي زيادات مستقبلية.
بدوره يستعرض مدير البرامج في معهد السياسة والمجتمع المهندس حسين الصرايرة الأرقام والتقديرات العلمية التي تعيد بناء حقل الريشة كركيزة استراتيجية لأمن الطاقة.
وينقل الصرايرة ما كشف عنه وزير الطاقة مستندا ً إلى دراسة معتمدة لشركة «شلمبرجيه» العالمية» والتي قدرت احتياطيات الحقل وفق ثلاثة سيناريوهات،التقدير المتوسط (الأساسي): يبلغ 11.99 تريليون قدم مكعب، منها 4.675 تريليون قدم مكعب قابلة للاستخراج (بمعدل استخراج 39 بالمئة).
أما التقدير الأدنى (المتحفظ) فيبلغ 9.390 تريليون قدم مكعب، منها 2.835 تريليون قدم مكعب قابلة للاستغلال. وبالنسبة للتقدير الأعلى (يصل إلى 14.600 تريليون قدم مكعب، منها 6.350 تريليون قدم مكعب قابلة للاستغلال.
ويشير الصرايرة إلى أن الإنتاج التراكمي للحقل حتى نهاية عام 2025 بلغ 259 مليار قدم مكعب، وتعمل شركة البترول الوطنية حالياً بناءً على خطتها (2024-2029) لحفر 70 بئراً لرفع الإنتاج إلى 150 مليون قدم مكعب يومياً بحلول 2029، بينما تتضمن الرؤية الأوسع حفر 80 بئراً جديدة بكلفة 174 مليون دولار ؛ بهدف رفع الإنتاج لقرابة 200 مليون قدم مكعب يومياً بحلول عام 2030، ما يغطي نحو 60 بالمئة من الاحتياجات الحالية ويقلل الاعتماد على الاستيراد الذي يشكل حالياً قرابة 90 بالمئة (من حقل ليفيثيان وحقول مصر).
وبناءً على فروض سعرية معيارية (6-8 دولارات لكل مليون وحدة حرارية)، يحلل الصرايرة الوفر المالي السنوي المتوقع للخزينة نتيجة استبدال الغاز المستورد بالغاز المحلي وفقاً لثلاثة سيناريوهات الأولى السيناريو المتفائل (إنتاج 200 مليون قدم³/يوم) بتوفير سنوي يقارب 212 مليون دينار، أما السيناريو المتوسط (إنتاج 120 مليون قدم³/يوم) بتوفير سنوي يقارب 127 مليون دينار، وبالنسبة إلى السيناريو المتحفظ (إنتاج 80 مليون قدم³/يوم) بتوفير سنوي يقارب 85 مليون دينار.
وحسب تصريحات وزير الطاقة التي أوردها الصرايرة، فإن الغاز الصناعي المحلي يوفر كلفة تشغيلية بنسبة 30 بالمئة مقارنة بالوقود الثقيل، و55 بالمئة مقارنة بالغاز البترولي المسال، و60 بالمئة مقارنة بالديزل، مما يمنح مصانع المناطق الكبرى (مثل الروضة، الموقر، المفرق، القويرة، القسطل، والهاشمية) قدرة تنافسية عالية ويسهم في تشغيل العمالة المحلية بالبادية الشرقية.
ويرى الصرايرة أن البنية التحتية هي الشريان الحاسم لنقل هذه الثروة؛ وحسب خطط شركة البترول الوطنية، يجري العمل على إنشاء خط أنابيب «الريشة-الخناصري» بطول 320 كم، وبسعة أولية تبلغ 150 مليون قدم مكعب يومياً في المرحلة الأولى، قابلة للزيادة إلى 500 مليون قدم مكعب.
ورغم هذه الآفاق الواعدة تظهر القراءة التحليلية جملة من التحديات التقنية والمالية واللوجستية، أبرزها الحاجة لاستثمارات ضخمة تتجاوز 2 مليار دينار على مدى عقد من الزمنز والمخاطر الفنية المرتبطة بعمليات الحفر واحتمالية تفاوت إنتاجية الآبار، إلى إضافة إلى تقلبات أسعار النفط والغاز العالمية التي قد تؤثر على الجدوى الاقتصادية للمشروع.
ولفت الصرايرة الحاجة الملحّة لتوحيد الأطر التشريعية والتنظيمية الخاصة بإيصال الغاز للمستهلكين وجذب استثمارات القطاع الخاص، ولمواجهة هذه التحديات تتبنى الحكومة سيناريوهات لتخفيف المخاطر من خلال التدشين المتدرج للمراحل وضمان تمويل مختلط (حكومي وخاص)، وتأمين عقود بيع مضمونة للغاز مع قطاعي الكهرباء والصناعة بأسعار ملائمة.
فيما يجمع الخبراء والتقارير الرسمية على أن مشروع تطوير حقل الريشة يعيد تشكيل منظومة الطاقة الوطنية الأردنية بالكامل. ولضمان نجاح هذا المشروع الاستراتيجي، تبرز التوصيات بضرورة تسريع تمويل مشاريع التطوير الأساسية (الآبار، خط الأنابيب، محطات المعالجة).
اضافة إلى إقرار حوافز استثمارية واضحة لجذب الشركات الدولية والقطاع الخاص وتعزيز الإطار التنظيمي لتسويق الغاز الصناعي. ولابد من التنسيق مع صندوق الاستثمار الوطني لتمويل البنية التحتيةمع ضرورة استمرار البرامج التدريبية لرفع كفاءة الكوادر الفنية الأردنية.
ويبقى حقل الريشة بارقة الأمل الحقيقية لإخراج الاقتصاد الأردني من دائرة الاستيراد الكامل للطاقة إلى رحاب الاعتماد على الذات، شريطة استثمار الإرادة التنموية بحكمة وبصيرة اقتصادية.