الطبيب الأردني مطلوب في الخارج ويحتاج لتطوير مهاراته والاختصاصات الدقيقة
تتجاوز أزمة بطالة الأطباء في الأردن مسألة تزايد أعداد الخريجين لتكشف عن اختلال متراكم بين مخرجات كليات الطب وفرص العمل والتدريب والاختصاص في وقت تقترب فيه أعداد الأطباء العاطلين عن العمل أو الذين يعانون من البطالة المقنعة من ثمانية آلاف طبيب وسط تحذيرات من تجاوز الرقم حاجز عشرة آلاف خلال السنوات المقبلة إذا استمرت السياسات الحالية.
عضو مجلس نقابة الأطباء الأردنية الدكتور محمد حسن الطراونة أكد أن الأزمة نتجت عن تراكمات امتدت لسنوات، في ظل غياب رؤية مستقبلية توائم بين أعداد الخريجين واحتياجات سوق العمل، وعدم تطوير برامج التدريب والإقامة بالوتيرة نفسها التي ارتفعت بها أعداد دارسي الطب.
وأوضح في مقابلة خاصة مع «الرأي» أن نحو خمسة آلاف طبيب يتخرجون أو يدخلون سوق المنافسة سنويا، مقابل ما لا يزيد على ألف فرصة عمل وتدريب في مختلف القطاعات الصحية، مما يعني أن غالبية الخريجين لا يجدون مقاعد للاختصاص أو فرصا حقيقية لممارسة المهنة.
وأشار إلى أن نحو 20% فقط من الخريجين يتمكنون من الحصول على مقاعد اختصاص محليا، لافتا إلى أن بعض البرامج شهدت تنافس نحو ألفي طبيب على أربعة مقاعد فقط، الأمر الذي يضع الأطباء الشباب أمام سنوات من الانتظار والعمل المؤقت أو التوجه إلى مهن لا ترتبط بتخصصهم.
وبين الطراونة أن المشكلة لا تتمثل فقط في كثرة خريجي كليات الطب، بل في محدودية فرص التدريب والعمل وسوء توزيع الموارد البشرية، معتبرا أن تقييد القبول في الجامعات الأردنية وحده لن يحل الأزمة، لأن الطلبة يستطيعون دراسة الطب في الخارج، إذ يدرس مئات الأردنيين أحيانا في جامعة عربية واحدة.
ودعا إلى إنشاء برنامج وطني موحد للإقامة والاختصاص، يقوم على شراكة بين وزارة الصحة والخدمات الطبية الملكية والمستشفيات الجامعية والقطاع الخاص، لاستيعاب أعداد أكبر من الأطباء وتدويرهم بين المستشفيات والقطاعات المختلفة، بما يمنحهم خبرات متنوعة ويحقق استفادة أفضل من البنية التحتية الصحية المتوافرة.
وبحسب التصور المقترح كما ذكر الطراونة، تتولى جهة وطنية محايدة الإعلان عن المقاعد وإجراء الامتحانات والمقابلات والإشراف على التدريب والترفيع بين سنوات الإقامة، بدلا من تعدد المرجعيات واختلاف معايير القبول بين مؤسسة وأخرى.
ونوه إلى أن البرنامج من شأنه تعزيز العدالة والشفافية في قبول الأطباء، في ظل شكاوى تتعلق بعدم وضوح علامات المقابلات ومعايير المفاضلة في بعض المؤسسات، خصوصا عند فرض رسوم على أعداد كبيرة من المتقدمين مقابل مقاعد محدودة.
ورأى أن منح الأطباء شهادات اختصاص معترفا بها يتيح تسويقهم في الدول التي تعاني نقصا في الكوادر الصحية، ويحول الإنفاق على تعليمهم إلى استثمار في الموارد البشرية ورافد للاقتصاد الوطني، بدلا من بقاء الطبيب بلا عمل بعد إنفاق عشرات آلاف الدنانير على تعليمه. ولفت الطراونة إلى أن الأردن يعاني بالتوازي مع بطالة الأطباء، من نقص في تخصصات ومناطق معينة، نتيجة سوء توزيع الكوادر وتزاحمها في العاصمة، مقابل نقص واضح في المحافظات والأطراف. وأكد أن نسبة كبيرة من مرضى الجنوب الذين يحتاجون إلى جراحات دقيقة أو علاج أورام أو تخصصات فرعية يضطرون للانتقال إلى عمان، داعيا إلى إنشاء مستشفى جامعي في الجنوب وتحفيز الاستثمار الطبي في العقبة والمحافظات، لتوفير بيئة مهنية وتدريبية جاذبة للأطباء.
وشدد على أهمية التوسع في طب الأسرة، لما له من دور في تعزيز الرعاية الصحية الأولية وتقليل الضغط على المستشفيات والهدر في الفحوصات والأدوية، إلى جانب معالجة النقص في التخدير والطب النفسي والعناية الحثيثة، وتوسيع برامج الزمالة في الاختصاصات الدقيقة.
ودعا الطراونة طلبة الطب إلى التفكير مبكرا في الخيارات الدولية، من خلال تعلم اللغات والاستعداد للامتحانات الأمريكية والبريطانية والكندية والأسترالية والألمانية، وعدم افتراض أن العودة إلى الأردن ستضمن تلقائيًا فرصة عمل أو اختصاص.
ونبه إلى أن الطبيب الأردني لا يزال مطلوبا في الأسواق الخارجية، لكنه بحاجة إلى تطوير مهاراته والحصول على اختصاصات دقيقة، بالتزامن مع دور حكومي ودبلوماسي أكثر فاعلية في البحث عن فرص تدريب وعمل في الخليج وأوروبا والدول التي تعاني نقصا في الأطباء.
وطالب بتفعيل المجلس الصحي العالي بوصفه «العقل الصحي الأردني»، ليقود وضع سياسة وطنية لملف الأطباء، تشمل زيادة فرص التدريب، وتوحيد برامج الإقامة، وإعادة توزيع الكوادر، وتسويق الكفاءات الأردنية خارجيا، وإعادة الأردن إلى خريطة السياحة العلاجية. وحذر الطراونة من أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى تراكم آلاف الخريجين سنويا، بعضهم يعمل بمياومات لا تتجاوز عشرة دنانير أو في مجالات بعيدة عن الطب، مؤكدا أن التعامل مع الملف يجب أن ينتقل من الحلول الجزئية، إلى استراتيجية وطنية تحفظ قيمة الطبيب، وتحول الكفاءات الطبية إلى قوة إنتاجية واقتصادية.
الطراونة: ٥ آلاف طبيب خريج يتنافسون على ألف فرصة عمل وتدريب سنوياً
11:30 20-7-2026
آخر تعديل :
الاثنين