كتاب

الخوارزميات وصناعة الاعتقاد.. والدور الحكومي المنتظر

في زمن تتسارع فيه التطورات التقنية، ونصبح فيه أكثر ارتباطاً بوسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية ومنصات البث الرقمي، تحولنا من مجرد مستهلكين إلى أهداف سهلة للخوارزميات، حيث صرنا مكشوفين رقمياً، وأصبحت الخوارزميات الخاصة بكل ماسبق قادرة على توقع سلوكنا.
ولكن التطور الذي أصاب الخوارزميات لم يتوقف عند هذه الحدود، أي الحدود السلوكية لنا، حيث تجاوزها إلى أن يحولنا إلى أهداف لهذه الخوارزميات لكي تستفيد مما نعتقد به أو تعمل على تغيير قناعاتنا تدريجياً، وبالتالي لم تعد الخوارزميات مجرد أدوات تقنية ترتب نتائج البحث أو تقترح مقطعاً موسيقياً جديداً، لكنها في الحقيقة أصبحت هي الوسيط الوحيد والخفي بين الإنسان والعالم، فهي تقرر، وإن بدرجات متفاوتة، الأخبار التي تصل إليه، والقضايا التي تتكرر أمامه، والأصوات التي يسمعها، وحتى الخصوم الذين يتعلم كراهيتهم، وبذلك تحولت الخوارزميات إلى قوة خفية قادرة على صناعة الاعتقاد نفسه، والذي يبدو لنا أنه من محض أفكارنا.
حين بنيت منصات التواصل الاجتماعي كان الهدف المعلن أنها تعمل تدريجياً على تحويل العالم إلى قرية صغيرة عبر تيسير التواصل البشري بصرف النظر عن المسافة والتوقيت، لأن العولمة تقوم على إعادة ضبط لمفهوم (التماسف) جغرافياً وزمنياً، ولكن مع تطور حضور منصات التواصل الاجتماعي في حياتنا اليومية، واقتطاعها وقتاً طويلاً من يومنا، أدرك القائمون عليها كلما بقي المستخدم وقتاً أطول زادت فرص عرض الإعلانات وجمع البيانات وتحقيق الأرباح. ولذلك لا تُرتب المواد بالضرورة وفق أهميتها أو دقتها، وإنما وفق قدرتها المتوقعة على إثارة التفاعل.
وتُظهر الأبحاث أن الترتيب القائم على التفاعل قد يضخم المحتوى المشحون عاطفياً والعدائي تجاه الجماعات الأخرى، حتى عندما يدعي المستخدمون أن هذا المحتوى يجعل تجربتهم أسوأ، وهو ما يعني أن مشاعر الغضب والخوف والصدام قد تمتلك ميزة تنافسية أمام الاعتدال والتفسير المتوازن، بصورة تجعل المشاعر الأولى هي الغالبة والمؤثرة على منصات التواصل الاجتماعي.
وأدرك القائمون على منصات التواصل الاجتماعي أهمية ما يعرف بالهندسة الاجتماعية في التأثير على رأي أو موقف الفرد، ولكنهم أدركوا أيضاً أهمية النظرية الآلية في علم الاتصال، والتي تقوم على فكرة مفادها أن كثرة التعرض لفكرة ما خلال مدة زمنية قصيرة كفيل في صناعة الاعتقادت، واكتشفوا أن صناعة الاعتقاد تبدأ من التكرار، وبالتالي فإن الفرد إذا شاهد الفكرة ذاتها متعددة، ومن حسابات متعددة تبدو مستقلة، قد يفسر انتشارها بوصفه دليلاً على صحتها.
ولا يتوقف دور الخوارزميات عند هذا الحد، أي تعريض الفرد للفكرة بصورة متكررة، حيث يمتد دورها لمراقبة كيفية استجابة الفرد لما يتعرض له من أفكار، وكل شكل من أشكال تفاعله يفرض آلية مختلفة للتعامل معه، وبالتالي تنشأ حلقة تغذية راجعة، حيث يقوم المستخدم بإخبار الخوارزمية ما يجذبه، فتتفاعل معه الخوارزمية عبر إعادة تشكيل البيئة التي يستمد منها أفكاره، وتدريجياً يسقط المستخدم في (فخ الخوارزميات)، حيث يفقد سيطرته على ما يشاهده أو يقرؤه، ويصبح من غير المتاح له أن يختار بين الآراء المتنوعة، وتسحبه الخوارزميات تدريجياً إلى مستنقع اختارته له يتضمن الرأي الواحد، فيفقد القدرة على الحوار، وتتحول تدريجياً أفكاره من مجرد أفكار قابلة للنقاش كونها تحتمل الصواب والخطأ إلى أن تكون ذاته التي يدافع عنها بعنف وشراسة.
الخوارزميات لا تزرع الاعتقاد في عقل فارغ، لكنها تستطيع تعزيز الميول القائمة، وتحديد القضايا التي تشغل الفرد، والتأثير على قراراته وسلوكه وقناعاته بنسب متفاوتة، عبر تغيير الوزن النسبي للأصوات المتنافسة التي يتعرض لها.
وفي ظل هذه التطورات، تجد الحكومات نفسها عاجزة عن التعامل معها، فهي إن تركت المنصات بلا رقابة، أصبحت هذه المنصات هي الطرف الأقدر على صناعة الاعتقاد، وبالتالي التأثير في المجال العام والانتخابات والثقة بمؤسسات الدولة، وإذا تدخلت الحكومات بصورة مباشرة في المحتوى فإنها قد تتحول في نظر البعض إلى عدو للديمقراطية.
هذه الإشكالية أدت إلى ظهور محاولات مختلفة للتعامل معها، ولكن التجارب الأنجح كانت تلك التي ترى أنه يجب ألا تقوم السياسة العامة على منح الحكومات سلطة تحديد الحقيقة، بل أن تكتفي بدورها كمنظم يساعد على توزيع المعلومات بصورة غير انحيازية.
ومن أبرز هذه التجارب قانون الخدمات الرقمية الأوروبي، حيث يساعد هذا القانون على فرض مزيد من الشفافية والمساءلة على المنصات، ويلزمها بتفسير المعايير الأساسية لأنظمة التوصية التي تعتبر مهمة في تحديد ما يظهر للمستخدم على منصات التواصل الاجتماعي، وتقييم المخاطر النظامية والتخفيف منها، مع توفير خيارات أوسع للمستخدمين، حيث يقوم هذا القانون على فكرة جوهرية هي إخضاع قوة توزيع المحتوى المحكومة بالخوارزميات للمحاسبة، من دون تحويل الحكومة إلى متحكم بالفضاء الرقمي.
ولكن ما أظهرته التجارب العالمية يؤكد أن التشريع وحده لا يكفي، حيث تحتاج الحكومات إلى إنشاء هيئات تنظيمية مستقلة تضم خبراء في التقنية والإعلام والقانون وعلم النفس، ومنح الباحثين المؤهلين وصولاً آمناً إلى بيانات المنصات لإجراء تدقيق مستقل، مع ضرورة إلزام الشركات بالإفصاح عن الإعلانات السياسية والجهات الممولة لها وأساليب الاستهداف المستخدمة وإصدار تقارير دورية عن أثر الخوارزميات في الانتخابات والأزمات العامة.