كتاب

درس البنك الفيدرالي للعالم!

لا بد لنا من الوقوف مطولا أمام ما يجري اليوم داخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، فالقصة ليست في تشكيل خمس فرق عمل، ولا في مراجعة بعض الإجراءات الفنية، وإنما في الرسالة التي أراد كيفن وورش أن يبعث بها منذ الأيام الأولى لتوليه المسؤولية: أن لا أحد أكبر من مراجعة نفسه، حتى المؤسسة التي تقود السياسة النقدية لأكبر اقتصاد في العالم.
تنشغل الأسواق بقرار رفع أسعار الفائدة أو خفضها، وتراقب كل كلمة تصدر عن رئيس البنك المركزي وكأنها مؤشر لاتجاه الاقتصاد العالمي، لكن وورش اختار أن يبدأ من مكان مختلف؛ لم يسأل: ماذا سنقرر في الاجتماع القادم؟ بل سأل: هل ما زالت الطريقة التي نفكر بها مناسبة لعالم يتغير بهذه السرعة؟
قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه في الحقيقة سؤال القرن الحادي والعشرين، فالاقتصاد الذي عرفناه قبل عشرين عامًا لم يعد موجودًا، غيّره الذكاء الاصطناعي الذي يعيد تشكيل الإنتاج، وسوق العمل كذلك يتغير بوتيرة لم تعرفها الثورات الصناعية السابقة، والبيانات التي كانت تصدر مرة كل شهر أصبحت تتقادم قبل أن تصل إلى طاولة صانع القرار، وبينما تتغير حركة الاقتصاد كل دقيقة، ما زالت كثير من المؤسسات تقرأ الواقع بأدوات صُممت لعالم أكثر بطئًا وأقل تعقيدًا.
لهذا جاءت مبادرة الاحتياطي الفيدرالي مختلفة هذه المرة، فبدل أن يبحث عن إجابات داخل الدائرة التقليدية، فتح الباب أمام خبراء التكنولوجيا، والأكاديميين، ورواد الأعمال، وأعاد طرح الأسئلة التي كان الجميع يظن أنها محسومة: كيف نقيس التضخم؟ كيف نفهم الإنتاجية؟ وهل ما زالت المؤشرات التي اعتمدنا عليها لعقود تعكس حقيقة الاقتصاد الجديد؟
قد تبدو هذه الأسئلة فنية، لكنها في جوهرها سياسية أيضًا، فكل قرار يتخذه الاحتياطي الفيدرالي لا يؤثر على المواطن الأمريكي وحده، بل يمتد أثره إلى اقتصادات العالم أجمع، وإلى أسعار العملات، والاستثمارات، وحتى إلى قدرة الدول النامية على الاقتراض.
ولذلك، فإن مراجعة أدوات التفكير داخل هذه المؤسسة ليست شأنًا أمريكيًا خالصًا، بل حدثًا يهم العالم كله، والأهم من ذلك أن هذه الخطوة تكشف عن ثقافة مؤسسية تستحق التأمل، فالقوة الحقيقية لا تظهر عندما تدافع المؤسسة عن قراراتها السابقة، بل عندما تمتلك الشجاعة للاعتراف بتغير الواقع، ووجوب التطور مع هذا التغير، أما الجمود، فهو نتيجة تحول النماذج الاقتصادية إلى عقائد، لتصبح الخبرة الطويلة مبررًا ومسببا لرفض كل جديد ضروري.
ولعل هذا هو الدرس الذي ينبغي أن نتوقف عنده في منطقتنا العربية، فنحن أيضًا نمتلك مؤسسات عريقة، وخبرات متراكمة، وتجارب طويلة، لكن السؤال الذي ينبغي طرحه : هل ما زلنا نفكر بالأدوات التي أنتجت نجاحات الأمس، بينما العالم من حولنا يعيد تعريف الاقتصاد، والتعليم، والإدارة، والعمل؟ هل تنقصنا الجرأة على مراجعة المسلمات، وعلى الاعتراف بأن بعض ما تعلمناه بالأمس قد لا يكون كافيًا لفهم الغد؟ ويبقى السؤال الأهم الذي يتجاوز حدود واشنطن وأسواق المال: هل ننتظر نحن أيضًا حتى تصبح مراجعة أدواتنا ضرورة يفرضها الفشل، أم نملك الشجاعة لنراجعها ونحن ما زلنا نملك فرصة الاختيار؟