في وقت تتسارع فيه التحولات العالمية في مجالات المعرفة والابتكار والذكاء الاصطناعي، وتتزايد فيه التحديات المرتبطة بمواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات الاقتصاد، يواصل مشروع القانون المعدل لقانون الجامعات الأردنية لسنة 2026 إثارة نقاشات واسعة في الأوساط الأكاديمية والتربوية. وبين من يرى فيه خطوة نحو تعزيز الحوكمة والاستقلالية وتطوير الإدارة الجامعية، ومن يعتبره بحاجة إلى رؤية إصلاحية أعمق تضع التشغيل وسوق العمل في صلب العملية التعليمية، يجمع خبراء على أن نجاح أي تعديل تشريعي سيبقى مرهوناً بقدرته على إحداث تغيير حقيقي في جودة التعليم العالي ومخرجاته ودوره التنموي.
نجاح القانون يُقاس بقدرته على بناء جامعة منتجة للمعرفة وصانعة للمستقبل
أكد الكاتب والخبير في الشؤون التربوية الأستاذ فيصل تايه أن مشروع القانون المعدل لقانون الجامعات الأردنية يجب أن يُنظر إليه باعتباره جزءاً من مشروع وطني لإعادة بناء منظومة التعليم العالي، وليس مجرد تعديلات إدارية أو تشريعية، مشدداً على أن نجاحه سيقاس بقدرته على بناء جامعة أكثر قدرة على المنافسة وإنتاج المعرفة وصناعة المستقبل.
وقال تايه إن العالم شهد خلال العقد الأخير تحولات جذرية، وأصبحت الجامعات مراكز لإنتاج المعرفة والابتكار وريادة الأعمال والبحث العلمي، ومحركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي، الأمر الذي يجعل تطوير الإطار التشريعي للتعليم العالي ضرورة وطنية تواكب هذه المتغيرات.
وأضاف أن تطوير قانون الجامعات يتزامن مع مسارات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري في الأردن، ما يستدعي ربط منظومة التعليم العالي بأولويات الدولة في التنمية والاقتصاد والابتكار، مؤكداً أن التشريع وحده لا يكفي لبناء جامعة متقدمة، إذ يبقى نجاحه مرتبطاً بكفاءة التطبيق، وتمكين القيادات الجامعية وأعضاء هيئة التدريس، وقدرة الجامعات على استثمار الصلاحيات التي يمنحها القانون.
قيمة القانون في فلسفته لا في عدد مواده
وأوضح تايه أن القيمة الحقيقية لأي تشريع لا تكمن في عدد المواد المعدلة، وإنما في الفلسفة التي تحكمها، مبيناً أن مشروع القانون يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين مكونات الإدارة الجامعية، وتعزيز الحوكمة، وتوزيع المسؤوليات بصورة أكثر توازناً بين مجالس الأمناء والإدارة التنفيذية، إلى جانب فتح المجال أمام تنويع مصادر التمويل وتعزيز الاستقلال المالي للجامعات.
وأشار إلى أن الجامعات باتت مطالبة اليوم بالتكيف مع التحولات العالمية، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، والتعليم الرقمي، والبرامج البينية، ومتطلبات الاقتصاد المعرفي، معتبراً أن المشروع يمثل محاولة للانتقال من نموذج يركز على إدارة المؤسسة الجامعية إلى نموذج يمنحها مرونة أكبر وقدرة أعلى على التخطيط الاستراتيجي وخدمة التنمية الوطنية.
الاستقلالية مسؤولية تقترن بالحوكمة والمساءلة
وفيما يتعلق باستقلالية الجامعات، أوضح تايه أن الاستقلالية لا تعني غياب دور الدولة أو انعدام الرقابة، وإنما تعني تمكين الجامعة من اتخاذ قراراتها الأكاديمية والإدارية والبحثية ضمن إطار قانوني واضح، مع خضوعها للمساءلة عن النتائج، مؤكداً أن المطلوب هو تحقيق “استقلالية مسؤولة” توازن بين الصلاحيات والحوكمة والمحاسبة.
وأكد أن الاستقلال الأكاديمي لا ينفصل عن الاستقلال المالي، مشيراً إلى أهمية تنويع مصادر التمويل من خلال الأوقاف الجامعية، والشراكات مع القطاع الخاص، والمراكز البحثية، والمشاريع الابتكارية، بما يعزز الاستدامة المالية وقدرة الجامعات على اتخاذ قراراتها باستقلالية.
وشدد تايه على ضرورة أن تُقاس الجامعات بإنجازاتها في البحث العلمي، وجودة التعليم، ونسب تشغيل الخريجين، وجذب التمويل البحثي، وتحسين التصنيفات العالمية، لا بمجرد الالتزام بالإجراءات الإدارية، مؤكداً أن الجامعات الأكثر نجاحاً عالمياً هي التي استطاعت تحقيق التوازن بين الاستقلال، والحوكمة، والمساءلة.
وختم بالتأكيد أن الأردن يمتلك كفاءات أكاديمية وخبرات مؤسسية قادرة على الارتقاء بالتعليم العالي، إذا ما جرى استثمار مشروع القانون بوصفه نقطة انطلاق نحو بناء جامعة أكثر مرونة وابتكاراً وارتباطاً بالتنمية الوطنية، معتبراً أن الاستقلالية ليست امتيازاً تمنحه الدولة، بل مسؤولية تفرض على الجامعة تحقيق الإدارة الرشيدة والإبداع وخدمة المجتمع بكفاءة.
الحوراني: التعليم العالي بحاجة إلى «ثورة بيضاء»
من جانبه، دعا رئيس جامعة عمّان الأهلية الدكتور ماهر الحوراني ودعا الحوراني إلى إحداث “ثورة بيضاء” في منظومة التعليم العالي، تقوم على إصلاحات تشريعية تركز على النتائج والمخرجات، وتسهم في تمكين الجامعات من مواجهة تحديات البطالة والتحولات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي، بما يعزز دورها في إعداد خريجين قادرين على المنافسة وتلبية احتياجات سوق العمل.
ربط التعليم بسوق العمل لا يزال غائباً
لافتا إلى أن أن أبرز أوجه القصور في مشروع القانون المعدل لقانون الجامعات الأردنية لسنة 2026 يتمثل في عدم ترجمة هدف ربط التعليم العالي باحتياجات سوق العمل إلى التزامات قانونية واضحة، رغم أن الأسباب الموجبة للقانون تؤكد أهمية تعزيز جودة التعليم وربطه باحتياجات الاقتصاد.
وقال الحوراني إن النصوص المقترحة لا تتضمن آليات أو مؤشرات واضحة لمساءلة الجامعات عن نتائج توظيف خريجيها أو مواءمة برامجها الأكاديمية مع متطلبات سوق العمل، مبيناً أن القانون يركز على الإجراءات الإدارية والمجالس والتعيينات والموازنات، دون أن يجعل قابلية توظيف الخريجين وجودة مخرجات التعليم جزءاً من معايير تقييم أداء الجامعات.
وأضاف أن مشروع القانون، رغم أهميته، لا يحقق الإصلاح العميق الذي يحتاجه قطاع التعليم العالي، مشيراً إلى أن تقليص عدد أعضاء مجالس الأمناء قد يجعلها أكثر مرونة، لكنه لا يعالج جوهر المشكلة المتمثل في آليات اختيار الأعضاء ومعايير النزاهة والاستقلالية والكفاءة والمساءلة.
اشتراط الأستاذية يحد من استقطاب القيادات الجامعية
وانتقد الحوراني اشتراط أن يكون رئيس الجامعة حاصلاً على رتبة الأستاذية وأن يكون قد شغلها مدة لا تقل عن خمس سنوات، معتبراً أن هذا الشرط يحد من إمكانية استقطاب قيادات تمتلك خبرات إدارية وتنفيذية ناجحة، رغم نجاح العديد من رؤساء الجامعات العالمية في قيادة مؤسساتها دون أن يكونوا من حملة رتبة الأستاذية.
وأكد أن الجامعات الحديثة أصبحت مؤسسات تجمع بين التعليم والبحث العلمي والابتكار وإدارة الموارد والاستثمار والتحول الرقمي والعلاقات الدولية، الأمر الذي يتطلب توسيع معايير اختيار القيادات الجامعية لتشمل الكفاءة الإدارية والقدرة على تحقيق الاستدامة المالية وبناء الشراكات.