تواصل محمية الشومري للأحياء البرية، إحدى أقدم المحميات الطبيعية في المملكة، وأولى محميات الأحياء البرية التي تأسست في الأردن عام 1975، ترسيخ مكانتها كنموذج وطني رائد في الجمع بين حماية التنوع الحيوي وتنمية السياحة البيئية، بعد أن نجحت على مدى خمسة عقود في إعادة توطين أحياء برية كانت قد انقرضت محليا، وفي مقدمتها المها العربي الذي يعد أيقونة البادية الشرقية والحيوان الوطني للمملكة.
وتشهد المحمية، التي تديرها الجمعية الملكية لحماية الطبيعة، هذا العام احتفالية اليوبيل الذهبي لتأسيسها، في وقت تتوسع فيه مشاريعها السياحية والمجتمعية استعدادا لمرحلة جديدة من التطور.
وتبلغ مساحة المحمية نحو 22 كيلومترا مربعا، وتقع في الجزء الجنوبي الشرقي لقضاء الأزرق، على بعد 12 كيلومترا منه و120 كيلومترا عن العاصمة عمان، وحظيت المحمية باهتمام ملكي متواصل منذ تأسيسها، إذ أطلق جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال عام 1983 أول 31 رأساً من المها العربي كأول قطيع حي يعاد توطينه في بيئته الطبيعية بعد انقراضه الكامل عام 1965، كما زار سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني المحمية عام 2018 لافتتاح مركز الزوار التعليمي والقيام بجولة سفاري داخلها.
وفي هذا السياق، أوضح مدير محمية الشومري عبيدة الحريشة أن المحمية تحتضن حاليا ما بين 110 و120 رأسا من المها العربي، وما بين 40 و45 رأسا من الحمر البرية الآسيوية التي تمثل واحدا من ثلاثة قطعان فقط حول العالم تعيش وفق سلوكها البري الطبيعي، إضافة إلى ما بين 30 و35 رأساً من غزلان الريم التي وردت صورها في لوحات فسيفسائية بيزنطية تعود للقرن السادس الميلادي. وأضاف الحريشة أن المحمية تضم أيضا طيور النعام وعدداً من المفترسات التي تجوب بيئاتها الطبيعية بحرية.
وأشار الحريشة إلى أن المحمية تزخر بتنوع بيولوجي واسع، إذ سجلت فيها نحو 197 نوعا من النباتات بين رعوية وعلاجية وسامة ومأكولة، كما رصد فيها نحو 155 نوعا من الطيور المهاجرة نظرا لوقوعها على مسار الهجرة بين أوروبا وأفريقيا، حيث اتخذ بعضها من المحمية موطنا آمنا للتعشيش، إلى جانب تسجيل سبعة أنواع من المفترسات وأكثر من 18 نوعا من الزواحف تشمل الأفاعي السامة وغير السامة والسحالي.
وعلى صعيد الإقبال السياحي، بلغ عدد زوار المحمية منذ مطلع العام الحالي 2026 وحتى الآن نحو أربعة آلاف زائر من جنسيات مختلفة، في مؤشر على تنامي الاهتمام بالسياحة البيئية في هذه المنطقة من البادية الأردنية. وتعمل إدارة المحمية حاليا على تطوير منظومة متكاملة للسياحة البيئية من خلال استحداث نزل الشومري البيئي الذي سيقدم خدمات الطعام والشراب والإقامة والمبيت للزوار، ومن المتوقع افتتاحه خلال العام الحالي، إلى جانب دكانة الطبيعة ومطعم المها العربي اللذين ما زالا قيد الافتتاح.
وتشمل البرامج السياحية القائمة حاليا في المحمية مركز الزوار ومنطقة التنزه والمساحة المخصصة للأطفال، وسفاري المها العربي بالسيارات وبالدراجات الهوائية، إضافة إلى ممر مخصص للمشي لمراقبة الطيور والحيوانات البرية. كما حظيت المحمية بدعم سخي من الديوان الملكي العامر لإنشاء مركز طبي بيطري يهدف إلى توسيع برامج إعادة التوطين والحماية والإكثار للأحياء البرية المهددة بالانقراض عالميا، إلى جانب تأهيله ليكون صرحا وطنيا لتدريب الأطباء البيطريين وتوقيع شراكات إقليمية في هذا المجال.
ومن جهة أخرى، أسهم مشروع أعمال الطبيعة، بالشراكة مع مؤسسة ليدرز الدولية للتنمية الاقتصادية وبدعم من السفارة الهولندية، في تمويل ما لا يقل عن عشر مبادرات مجتمعية لأبناء المجتمع المحلي لتقديم خدمات سياحية للزوار، من بينها مراقبة القبة السماوية والدراجات الهوائية والواقع الافتراضي المعزز وتربية النحل واليوجا وطبخ أطباق من الطبيعة، ما جعل من المحمية اليوم بؤرة اقتصادية اجتماعية تعود بمنفعة مباشرة وغير مباشرة على المجتمعات المحلية المحيطة بها. كما نظمت المحمية مبادرات توعوية استهدفت 11 مدرسة في قضاء الأزرق لتعزيز الوعي البيئي لدى الطلبة وترسيخ مفهوم استدامة الموروث الطبيعي، فيما استقبلت خلال الفترة الأخيرة زيارات متعددة من وزراء السياحة والآثار والداخلية والاتصال الحكومي، إلى جانب وفود من مؤسسات الدولة والجهات الرسمية.