الدولة المُمكِّنة: ثروة الأردن الحقيقية

تاريخ النشر : الأحد 11:46 19-7-2026
د. فارس البريزات

حتى وقت قريب، عاش كثير من الأردنيين وآباؤهم وأجدادهم في بيوت الشعر والكهوف وقد ظل هذا النمط من الحياة مستقراً قروناً طويلة، ثم في بيوت حجرية وطينية شُيّدت في قرى الأردن خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. إن أعظم ما أنجزه الأردن خلال ثمانين عاماً من الاستقلال لم يكن بناء المنازل والطرق والمدارس والمستشفيات والسدود فحسب، بل بناء مؤسسات استطاعت أن تنقل المجتمع من نمط حياة بسيط ظل مستقراً آلاف السنين إلى واقع الدولة الحديثة الاكثر تعقيداً خلال مدة لا تتجاوز عمر جيل واحد.

ذلك هو الإنجاز الذي كثيراً ما نغفل عنه، وربما نتعامل معه بوصفه أمراً مسلّماً به. فعادة ما نقيس قوة الدول بحجم اقتصاداتها، أو بما تختزنه أراضيها من ثروات طبيعية، أو بما تشيده من أبراج ومشروعات عملاقة. لكن التجارب العالمية تشير إلى حقيقة أعمق من ذلك بكثير. فالثروة الحقيقية للدول ليست دائماً ما يُرى بالعين، بل ما تبنيه من مؤسسات قادرة على تمكين الإنسان والاستمرار وتحقيق الاستقرار في ظل الصعوبات.

المؤسسات لا تقتصر وظيفتها على إدارة الدولة، بل تصنع الثقة، وترسخ سيادة القانون، وتقلل حالة عدم اليقين، وتوسع دائرة الفرص أمام المواطنين، فالطرق والمدارس والجامعات والمستشفيات والقضاء والأجهزة الأمنية والإدارة العامة ليست غايات بحد ذاتها، وإنما أدوات تمكّن الإنسان من بناء حياة أفضل له ولأسرته ولمجتمعه.

اختصر الأردن، عبر مؤسساته، قروناً من التحول الاجتماعي في حياة جيل واحد. وصلت المدارس إلى القرى والبوادي، وامتدت الخدمات الصحية إلى مناطق لم تعرفها من قبل، وربطت الطرق المجتمعات بعضها ببعض، ووصلت الكهرباء والاتصالات إلى مختلف أنحاء المملكة، وأصبحت الفرص التعليمية والمهنية التي يحظى بها أبناء اليوم أموراً لم يكن كثير من أجدادهم يتخيلونها.

فالحداثة لا تُقاس بالتحديث، اي بارتفاع الأبراج أو بتطور التكنولوجيا والبنية التحتية، وإنما تُقاس بنمو رأس المال الاجتماعي وبقدرة الإنسان العادي على أن ينتقل من حال إلى أفضل. حين يصبح ابن الراعي طبيباً وقاضياً ومهندساً، وابنة القرية النائية رائدة أعمال وطبيبة متميزة وأستاذة جامعية، وابن المزارع لواءً في القوات المسلحة، وابن اللاجئ رجل أعمال أو وزيراً، فإن ذلك لا يعكس نجاح الأفراد وحدهم، على أهميته، بل يعكس أيضاً نجاح المؤسسات التي فتحت لهم أبواب الفرص للتقدم والنمو.

وظيفة المؤسسات ليست إدارة علاقة الدولة مع المجتمع فحسب، بل تمكين الإنسان، وهو جوهر رسالتها. ومن هنا تنبع فلسفة الدولة الأردنية الحديثة. فالدولة ليست مطالبة بأن تهيمن على المجتمع، ولا أن تنسحب من مسؤولياتها تجاهه، بل أن تكون دولة مُمكِّنة، أولى وظائفها توفير الأمن، وتوسيع دائرة الفرص أمام جميع مواطنيها، تحمي دون أن تخنق المبادرة، وتنظم دون أن تعيق الاستثمار، وتحكم دون أن تثقل كاهل المجتمع بالإجراءات والتعقيدات.

فالأسواق تصنع الثروة، لكن المؤسسات هي التي تهيئ البيئة التي تسمح للأسواق بإنتاجها. والحكومات قلّما تصنع الازدهار بصورة مباشرة، لكنها تصنع البيئة المؤسسية التي تمكّن المواطن المبادر والقطاع الخاص المنتج من صناعته.

ولذلك فإن الدولة والمؤسسات المُمكِّنة لا تنافس المجتمع أو تحل محله، بل توسع قدرته على الإنتاج والابتكار، وتمنح القطاع الخاص الثقة للاستثمار، وتوفر العدالة وتكافؤ الفرص، وتحمي المنافسة، وتكفل سيادة القانون وتضمن إنفاذه. وتُقاس فاعليتها ليس بحجم ما تملكه أو تديره، بل بحجم ما تتيحه من فرص، وما تطلقه من طاقات، وما تزيله من عوائق أمام المواطن والمجتمع والاقتصاد.

وتؤكد تجارب دول مثل سنغافورة والسويد وأيرلندا أن سر الازدهار لا يكمن في الموارد الطبيعية أو عدد السكان بقدر ما يكمن في جودة المؤسسات وفعاليتها. وتضيف تجربة الأردن إلى هذه الادبيات بعداً فريداً، إذ لم يبن الاردن مؤسساته في بيئة مستقرة، بل في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً، الأمر الذي أخضعها لاختبارات متواصلة وجعل صمودها أكثر دلالة على قدرتها.

فمنذ الاستقلال، واجه الأردن أكثر من ستين أزمة داخلية وإقليمية ودولية أثرت فيه بصورة مباشرة، وخلال كل ذلك، نادراً ما عرف الأردن هدوءا إقليمياً طويلاً، إذ تعامل مع أزمة كل سنة وثلاثة أشهر منذ الاستقلال وحتى الان. وتمكن، رغم تراكم الضغوط، من الحفاظ على استمرارية الدولة وتماسك المجتمع وقدرة المؤسسات على أداء وظائفها الأساسية.

وكما يختبر المهندس متانة الجسر الذي يبنيه عند أقصى حمولة وضغط ممكن، كذلك تُقاس قوة المؤسسات لحظات الأزمات وليس في أوقات الرخاء. ومن هذه الزاوية، خضعت المؤسسات الأردنية لاختبار متواصل طوال ثمانية عقود، وأثبتت قدرتها على التكيف والحفاظ على الدولة في بيئة استثنائية مليئة بالاصدقاء والاعداء.

كما عكست التجربة الأردنية فلسفة مميزة في إدارة الدولة، تقوم على التطور بدلاً من الركود، والإصلاح التدريجي بدلاً من الثورة، والشراكة بدلاً من الإقصاء، والحكمة والاتزان بدلاً من التهور والمغامرة. وهذه ليست مجرد خيارات سياسية، بل نهج مؤسسي مكّن الدولة من التكيف المتواصل دون أن تفقد استمراريتها أو شرعيتها.

فالاستقرار والإصلاح ليسا هدفين متعارضين، بل يعتمد كل منهما على الآخر. الإصلاح دون استقرار قد يقود إلى الفوضى، والاستقرار دون إصلاح يفقد قدرته على الاستمرار بمرور الوقت. أما حُسن إدارة الدولة، فيكمن في صون الاستقرار مع الارتقاء المستمر بفعالية المؤسسات.

كما أن الصمود في وجه المخاطر لم يعد كافياً. فالصمود يحفظ الدولة، أما الأداء المتميز فيطلق إمكاناتها. لقد أثبتت المؤسسات السيادية والأمنية الأردنية كفاءة عالية في حماية الدولة والحفاظ على استقرارها. أما التحدي الذي ينتظرنا اليوم، فيتمثل في الارتقاء بأداء المؤسسات المدنية، من الإدارة العامة والبلديات والتعليم والصحة والأشغال العامة ودائرة الأراضي إلى سائر الجهاز الحكومي، لتصبح أكثر كفاءة، وأسرع استجابة، وأكثر قدرة على خدمة المواطن والمستثمر.

فالتحدي الداخلي الأكبر الذي يواجه الأردن اليوم هو بطالة الشباب، وكل إجراء إداري غير ضروري، وكل معاملة تتأخر بلا مبرر منطقي، وكل فرصة استثمار تضيع بسبب التأخير والتعقيد الإداري غير الضروري، تعني وظائف لا تُخلق للشباب الباحثين عن العمل، وأفكاراً لا تُنفذ، وفرصاً تتأخر عن جيل لا يملك ترف الانتظار.

ولهذا، لم يعد الاستثمار قضية اقتصادية فحسب، بل أصبح قضية استقرار وطني. فالأمن يحقق الاستقرار، لكن الفرص الاقتصادية المستدامة تحافظ عليه. والدول التي تجمع بين الأمن والفرص هي الدول القادرة على بناء استقرار عبر الأجيال.

ويبقى رصيد الثقة الذي تتمتع به مؤسسات الدولة أحد أهم أصول الأردن الاستراتيجية. فقد أظهرت استطلاعات الرأي على مدى عقود مستويات مرتفعة من الثقة بالمؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية وغيرها من مؤسسات الدولة. كما ظل الأردن ملاذاً آمناً للاجئين، ومقصداً لرؤوس الأموال في أوقات الاضطراب الإقليمي. الناس يصوتون للأردن بسلوكهم، فالأعمال تتبع الفرص، أما الأسر فتتبع الثقة.

لقد كرست العقود الثمانية الأولى من عمر الدولة الأردنية لبناء دولة منيعة في محيط شديد الاضطراب. أما المرحلة القادمة، فتتطلب بناء دولة أكثر تمكيناً، تطلق طاقات الإنسان والمجتمع والاقتصاد، ويجب أن يكون العقد المقبل عقد الدولة المُمكِّنة، التي تجعل من كل مؤسسة جسراً إلى الفرص، ومن كل إجراء طريقاً إلى الإنتاج، وتمنح كل شاب أردني الثقة بأن مستقبله يمكن أن يُبنى في وطنه. فثروة الدول الحقيقية ليست فيما تملك، بل فيما تُمكّن أبناءها من تحقيقه.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }