فإذا كانت قيمة الموارد تكمن في قدرتها على البقاء داخل دورة الإنتاج، فإن قيمة السياسات تكمن في قدرتها على البقاء داخل دورة التعلم المؤسسي، والسياسة العامة، مثلها مثل أي مورد، لا ينبغي أن تنتهي بإطلاقها، بل تبدأ عند تنفيذها، ثم تقييمها، واستخلاص الدروس منها، والبناء عليها في المرحلة التالية.
من هذا المنطلق، لا تبدو النقاشات التي يشهدها الأردن اليوم حول الاقتصاد الدائري مجرد حوار حول إدارة النفايات أو رفع معدلات إعادة التدوير، بل تمثل فرصة لإعادة التفكير في الطريقة التي تُصنع بها السياسات العامة نفسها، أو حتى الأوراق التي تدّعي توجيه بوصلة السياسات.
لقد شهد الخطاب الوطني خلال السنوات الأخيرة تحولاً واضحاً في فهم الاقتصاد الدائري، فبعد أن ارتبط لسنوات بإدارة النفايات والبعد البيئي، أصبح يُطرح اليوم باعتباره أداة لتعزيز أمن الموارد، وتقوية سلاسل التوريد، وتحسين إنتاجية الاقتصاد، وتقليل الاعتماد على الواردات، وتعزيز القدرة على مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية. وهذا تطور مهم يعكس إدراكاً متزايداً بأن إدارة الموارد لم تعد قضية بيئية فحسب، وإنما أصبحت جزءاً من منظومة الأمن الاقتصادي للدولة.
إلا أن نجاح هذا التحول لا يعتمد على تغيير المفاهيم وحده، وإنما على الطريقة التي يُدار بها الانتقال من سياسة إلى أخرى، فالأردن لا يبدأ اليوم من فراغ، وعلى امتداد السنوات الماضية، أطلقت الدولة عدداً من الأطر الوطنية التي تناولت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كفاءة استخدام الموارد، والإنتاج والاستهلاك المستدامين، والطاقة المتجددة، والعمل المناخي، والنمو الأخضر، ورؤية التحديث الاقتصادي، وصولاً إلى المساهمات المحددة وطنياً بنسختيها في إطار اتفاق باريس. ولم تكن هذه الأطر مجرد وثائق مرجعية، بل تضمنت أولويات قطاعية، وبرامج تنفيذية، ومؤشرات أداء، وآليات متابعة، وشراكات مؤسسية.
وهنا تبرز القضية التي تستحق النقاش...
فالانتقال إلى إطار جديد، مهما كانت أهميته، ينبغي أن يسبقه تقييم واضح لما تحقق في الأطر السابقة، ليس لأن السياسات القديمة معصومة من القصور، وإنما لأن التخطيط الرشيد يقوم على التراكم، لا على القطيعة.
فالسؤال الذي ينبغي أن يسبق أي استراتيجية جديدة ليس: ماذا سنكتب؟ بل: ماذا تعلمنا؟
هل حققت السياسات السابقة أهدافها؟ وهل كانت الفجوات في التصميم، أم في التنفيذ، أم في البيئة التشريعية، أم في التمويل، أم في التنسيق المؤسسي؟ وما الذي أثبت نجاحه ويستحق أن يُبنى عليه؟ وما الذي يستوجب المراجعة أو التعديل؟
هذه ليست أسئلة إدارية، وإنما تمثل جوهر ما يُعرف في الأدبيات الحديثة بـ"التقييم اللاحق للسياسات العامة"، الذي يُعد اليوم أحد أهم أدوات تحسين جودة التشريع وصنع القرار في الدول التي تبني سياساتها على الأدلة، لا على تراكم الوثائق.
ولعل التحدي الحقيقي الذي يواجه الاقتصاد الدائري في الأردن لا يكمن في غياب الأفكار أو المبادرات، بقدر ما يكمن في كيفية دمجها ضمن منظومة سياسات متماسكة، فالاقتصاد الدائري لا يمثل برنامجاً بيئياً مستقلاً، ولا مشروعاً صناعياً منفصلاً، بل نموذجاً جديداً للحوكمة، تتقاطع فيه سياسات الصناعة والطاقة والمياه والزراعة والإدارة المحلية والاستثمار والمالية العامة. وكلما بقيت هذه الملفات تتحرك في مسارات متوازية، تراجعت قدرة الدولة على تحويلها إلى سياسة وطنية متكاملة.
كما أن الاقتصاد الدائري لا يمكن اختزاله في إعادة التدوير، ولا في زيادة مساهمة الطاقة المتجددة، ولا في تحسين إدارة النفايات، رغم أهمية هذه جميعاً، فجوهره يكمن في إعادة تصميم العلاقة بين الاقتصاد والموارد، بحيث تصبح كفاءة الاستخدام، وإطالة دورة الحياة، واسترداد القيمة، وإنتاجية الموارد، مبادئ حاكمة للتخطيط الاقتصادي، وليست برامج قطاعية منفصلة.
وفي السياق الأردني، يكتسب هذا التحول أهمية مضاعفة، فالدولة لا تواجه ندرة في مورد واحد، بل تعيش تقاطعاً معقداً بين شح المياه، والاعتماد على استيراد الطاقة، وهشاشة سلاسل التوريد، وضغوط الأمن الغذائي، وتزايد المنافسة على المواد الخام. لذلك فإن الاقتصاد الدائري لا ينبغي أبداً أن يُقاس بعدد المنشآت التي تعيد التدوير، أو بعدد الوظائف التي قد يخلقها، بل بمدى قدرته على رفع إنتاجية الموارد الوطنية، وتقليل الهدر، وتعزيز منعة الاقتصاد أمام الصدمات والأزمات والصراعات والحروب التي تشهدها المنطقة.
غير أن تحقيق ذلك يتطلب أيضاً مراجعة منهجية للتشريعات والمؤسسات، فالتحدي في كثير من الأحيان لا يكمن في غياب القوانين، بل في غياب التقييم الدوري لأثرها، ومدى انسجامها مع بعضها البعض، وقدرتها على تحقيق النتائج المرجوة. وهنا تصبح مراجعة السياسات والتشريعات جزءاً من الاقتصاد الدائري نفسه؛ لأن الاستخدام الكفؤ للموارد يبدأ بالاستخدام الكفؤ للأدوات التنظيمية والمؤسسية.
ولا يقل عن ذلك أهمية الاستثمار في المعرفة والبيانات، فلا يمكن الحديث عن إنتاجية الموارد، أو كفاءة استخدامها، أو قياس الدائرية، في غياب منظومة وطنية لبيانات تدفقات المواد، ومؤشرات الأداء، وآليات المتابعة والتقييم، فالإدارة الرشيدة تبدأ بقياس ما نريد تحسينه، وتنتهي بتحويل النتائج إلى معرفة تدعم القرار التالي وتدير مخرجاته.
وربما تكمن المفارقة الأعمق في أن الدول لا تهدر مواردها عندما تسيء استخدام المياه أو الطاقة أو المواد الخام فقط، بل تهدرها أيضاً عندما تهدر خبرتها المؤسسية، فكل استراتيجية تنتهي دون تقييم، وكل برنامج يُغلق دون مراجعة، وكل تجربة لا تتحول إلى معرفة قابلة للتراكم، يمثل شكلاً آخر من أشكال الهدر، لا يقل كلفة عن هدر الموارد الطبيعية.
لذلك، فإن الاقتصاد الدائري يقدم لنا درساً يتجاوز الاقتصاد نفسه، فإذا كانت قيمة الموارد تكمن في بقائها داخل دورة الإنتاج، فإن قيمة السياسات تكمن في بقائها داخل دورة التعلم، والدولة التي تبني كل مرحلة على نتائج المرحلة السابقة، وتحول التقييم إلى أداة للإصلاح، إنما تمارس شكلاً آخر من أشكال الدائرية؛ دائرية المعرفة، ودائرية المؤسسات، ودائرية السياسات.
وربما تكون هذه هي الخطوة التي يحتاجها الأردن اليوم أكثر من أي وقت مضى، فقبل أن نضيف استراتيجية جديدة إلى رصيدنا الوطني، يجدر بنا أن نستثمر الرصيد الذي راكمناه بالفعل؛ أن نحول الخبرة إلى معرفة، والمعرفة إلى إصلاح، والإصلاح إلى سياسة أكثر نضجاً. فكما يسعى الاقتصاد الدائري إلى تعظيم قيمة كل مورد، فإن الإدارة العامة مطالبة بأن تعظم قيمة كل تجربة، وعندها فقط، لا يصبح الاقتصاد الدائري نموذجاً لإدارة الموارد فحسب، بل منهجاً لإدارة الدولة نفسها.
* خبيرة بيئية