إن الأزمات والصراعات والكوارث ظاهرة أزلية منذ أول أزمة وصراع بين أبوينا آدم وحواء من جهة وبين الشيطان 'إبليس 'عليه لعنة الله من جهة أخرى، وثاني أزمة وصراع بين قابيل وهابيل الذي أدى إلى قتل الأخ لأخيه كأول جريمة وإفساد في الأرض وعجزه على أن يواري سوأته، إلا بإشارة من غراب كان يبحث في الأرض ومن المعلوم أن هرم النجاح يُبنى من لبنات الفشل والأمل ،ولما كان الأمل يولد من رحم المعاناة والألم ،فالأزمات واقع دائم تمر بها الشعوب والأمم على مرّ التاريخ ،ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولولا دفع الناس بعضهم ببعض لهدّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ،والله عز وجل خلقنا في هذه الدنيا في كبد ومكابدة وصراع دائم بين الخير والشر حتى تقوم الساعة ،وحتى نكون في جاهزية للتصدي لهذه الأزمات والكوارث والصراعات وجب علينا ونحن نصنع استراتيجيات التعافي من الأزمات والكوارث والصراعات أن نُميّز بين نوعين من الأزمات والصراعات والتحديات التي تمر بها الدول فمنها الأزمات العابرة الخارجية بسبب ظروف خارجية طارئة أو حروب وصراعات ونزاعات وكوارث، هذه من السهل احتواؤها ووضع خطط للتعافي منها ومن آثارها، وهناك النوع الثاني من الأزمات المستدامة الداخلية وهي الأكثر فتكاً ومحورها الأساسي الفساد بكافة أنواعه وأشكاله وأطيافه فقد ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليُذيقهم بعض الذي عملوا، وأيضا وضع خطط فعّالة وناجعة ضد آفة الترهل الإداري والخروج على مبادئ الحوكمة والقانون والأخلاق والشريعة والاختلال والاعتلال في البنى التحتية للأنظمة والآفات الاجتماعية ومحاولات تدمير وتخريب اللبنة الأساسية لبناء المجتمعات تحت مسميات وشعارات خادعة تطلقها المنظمات الدولية بالإضافة إلى الاستسلام والخضوع لمطالب وشروط وتدخلات مؤسسات التمويل الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) والأمم المتحدة وغيرها .
وهذا يُحتّم علينا مزيداً من الاهتمام أكثر بوضع استراتيجيات للتعافي من هذه الأزمات والصراعات جملةً وتفصيلاً من أسبابها ومسبباتها جذورها وأعراضها وآثارها وانعكاساتها على منظومات الأمن السياسي والاقتصادي والاجتماعي على حد سواء حتى يمهد ويسهل ويساعد صانع ومُتخذ القرار بإعادة بناء الإنسان والمجتمعات والدولة (بناء البشر قبل الحجر )وأيضاً يتحتم على الأنظمة الاستثمار في الأزمات كجزء من استراتيجيات التعافي للانتقال من مرحلة التعافي الطويل الأمد إلى مرحلة الشفاء التام وصولاً إلى التنمية والرفاه والحرية والازدهار .
وتعتمد استراتيجيات التعافي وإعادة الإعمار ما بعد الأزمات على تحويل الكارثة إلى فرصة لبناء مجتمعات أكثر مرونة وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية وفق منهجية إعادة البناء بشكل افضل وضمن آليات إتمام التعافي بالاستجابة العاجلة والفورية من خلال برامج الإغاثة وتأمين المأوى وتقديم الرعاية الطبية والصحية اللازمة ومن ثمّ تأتي مرحلة تقييم الأضرار المادية والنفسية وحصر الخسائر وتحديد أولويات العلاج والإعمار التنموي بالتخطيط التشاركي المجتمعي الشامل لجميع فئات المتضررين وإشراكهم في صنع القرار المناسب وأخيرا تأتي مرحلة التقييم والحوكمة لإدارة الموارد المالية والبشرية والتقنية المحلية والدولية بأمانة ونزاهة وكفاءة وتميز واقتدار .
ومن الجدير بالذكر أن الأمّة قد شهدت خلال العقود الماضية وتشهد نماذج فاشلة للتعافي من الأزمات في المشرق والمغرب العربي بعد أزمات وصراعات متتالية وما زالت، فالحاجة الملحة لإعادة بناء الإنسان قبل إعادة بناء الحجر والإعمار …..
وفي الختام لا أعتقد ان لدى الانطمة العربية آليات عمل حقيقية ومستقلة موفقة لإعادة الإعمار والتعافي الشامل المستدام المرافق لهذه الأزمات والسعي لبناء الثقة بين جميع الأطراف نحو الاستقرار والأمن والتنمية والرفاه الاجتماعي والاقتصادي، ويُعزى ذلك إلى الضغوط الخارجية والتبعات السياسية البغيضة ولعدم الانسجام بين الإرادة المترددة والإدارة المتردية.
نسأل الله عزّ وجلّ الصلاح والفلاح لهذه الأمة ..
الأزمات والصراعات بين التعافي واستراتيجيات الإعمار
11:32 19-7-2026
آخر تعديل :
الأحد