الرأي الثقافي

من غوستاف لوبون إلى الجمهور الخوارزمي

•مقدمة

ليست المشكلة في استحضار الأعمال الفكرية الكبرى، ولا في الاستشهاد بنصوص أصبحت علامات فارقة في فهم السلطة والهيمنة. فكتاب سيكولوجية الجماهير» لغوستاف لوبون، وروايتا «1984» و«مزرعة الحيوانات» لجورج أورويل، وقصة «النمور في اليوم العاشر» لزكريا تامر، تمثل جميعها محطات تأسيسية في دراسة العلاقة بين السلطة والجماهير والحرية.

المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الأعمال من أدوات للتفكير إلى بدائل عنه، ومن مداخل لقراءة الواقع إلى قوالب جاهزة لتفسيره. فعندما يصبح كل تحول سياسي نسخة من «1984»، وكل ممارسة للهيمنة امتداداً للأخ الأكبر، وكل إعادة إنتاج للسلطة تكراراً لـ«مزرعة الحيوانات»، وكل تغير في سلوك الإنسان استعادةً للنمر الذي فقد شراسته في اليوم العاشر، فإننا لا نقرأ الواقع، بل نعيد إسقاط استعارات القرن العشرين على عالم تجاوز شروط إنتاجها.

إن قيمة هذه الأعمال لا تكمن في أنها قدمت أجوبة نهائية، بل في أنها امتلكت الجرأة على طرح أسئلة جديدة عن عصرها. ولذلك فإن الوفاء لها لا يكون بتكرار استنتاجاتها، وإنما بامتلاك الشجاعة ذاتها في قراءة التحولات التي فرضها القرن الحادي والعشرون.

لقد درس لوبون الجماهير في زمن كانت تتشكل فيه داخل الساحات، وكتب أورويل عن سلطة مركزية تحتكر الحقيقة واللغة والرقابة، بينما صوّر زكريا تامر الترويض بوصفه عملية تنتهي حين ينسى النمر طبيعته الأولى ويألف القفص. أما اليوم، فقد تغيرت قواعد اللعبة. فلم تعد الجماهير بحاجة إلى التجمع كي تصبح جمهوراً، ولم تعد السلطة مضطرة إلى فرض الصمت كي تفرض هيمنتها، ولم يعد القفص فضاءً مادياً مرئياً، بل تحول إلى بيئة رقمية تشارك في تشكيل الإدراك قبل تشكل الموقف.

فالخوارزمية لا تمنع المعرفة، بل تعيد ترتيبها، ولا تفرض الآراء مباشرة، بل تبني البيئة التي تجعل رأياً ما يبدو أكثر معقولية من غيره. وهي لا تصادر الإرادة، بل تؤثر في شروط تكوّنها عبر إدارة الانتباه، والتخصيص، والتكرار، حتى يغدو ما يراه الإنسان وكأنه الصورة الطبيعية للعالم، بينما هو نتاج اختيار خوارزمي يعمل بصمت.

من هنا، لا يعود السؤال: كيف تفكر الجماهير؟ كما عند لوبون، ولا: كيف تفرض السلطة إرادتها؟ كما عند أورويل، ولا: كيف يُروَّض الإنسان؟ كما عند زكريا تامر؛ بل يصبح السؤال: كيف تُصنع الجماهير داخل البيئة الخوارزمية قبل أن تدرك أنها أصبحت جماهير؟

إن هذا السؤال لا يهدف إلى نقض التراث الفكري الذي تركه لوبون وأورويل وزكريا تامر، بل إلى استكماله. فكما امتلك هؤلاء شجاعة قراءة عصرهم، فإن عصر الخوارزميات يفرض علينا بناء أدوات معرفية جديدة، قادرة على تفسير جماهير لم تعد تتشكل في الساحات، وسلطات لم تعد تحكم الإنسان من الخارج، بل تشارك في تشكيل العالم الذي يدركه من الداخل.

• من غوستاف لوبون إلى الجمهور الخوارزمي

عندما نشر غوستاف لوبون كتاب «سيكولوجية الجماهير» عام 1895، لم يكن يدرس الحشود بوصفها تجمعاً بشرياً فحسب، بل بوصفها ظاهرة نفسية ولّدتها الثورة الصناعية وصعود الدولة الحديثة. فقد رأى أن الفرد، بمجرد اندماجه في الحشد، يتراجع استقلاله العقلي لصالح عقل جمعي تحكمه العاطفة أكثر مما يحكمه المنطق، ويصبح أكثر استعداداً للتقليد والانفعال وأقل ميلاً إلى التفكير النقدي. ولم يكن هذا مجرد وصف لسلوك الجماهير، بل تفسيراً للقوة الجديدة التي بدأت تعيد تشكيل السياسة والمجتمع.

تكمن أهمية لوبون في أنه غيّر السؤال أكثر مما قدّم الإجابة. فقد نقل تفسير التاريخ من السياسة والاقتصاد وحدهما إلى البنية النفسية التي تتحرك داخلها الجماهير، ولذلك أصبحت أفكاره مرجعاً لعلم النفس الاجتماعي، كما استفادت منها الأنظمة السياسية وصناع الدعاية وقادة الثورات.

غير أن الوفاء لمنهجه يقتضي إعادة طرح سؤاله في سياق مختلف: هل ما زالت الجماهير التي وصفها موجودة بالصورة نفسها؟

في القرن التاسع عشر كان الحشد يحتاج إلى مكان؛ ساحة أو ميدان أو مصنع، حيث تنتقل العدوى النفسية من فرد إلى آخر حتى تتكون الإرادة الجمعية. أما اليوم، فقد انفصلت الجماهير عن المكان دون أن تفقد قدرتها على التأثير. يكفي أن يخضع ملايين الأفراد للمنطق الخوارزمي نفسه حتى يتصرفوا بوصفهم جمهوراً واحداً، رغم أنهم لم يلتقوا يوماً.

وهنا تظهر القطيعة المعرفية التي لم تستوعبها العلوم الاجتماعية بعد. فالجماهير لم تعد تُنتج داخل المجال الفيزيائي، بل داخل البيئة الرقمية. ولم تعد الجغرافيا هي التي توحّد الأفراد، بل الخوارزمية التي توحّد أنماط الانتباه والانفعال عبر الانتقاء، والتوصية، والتكرار، وإدارة تدفق المحتوى.

وبذلك لم تختفِ العدوى التي تحدث عنها لوبون، وإنما تغيّر وسيطها. ففي النموذج الكلاسيكي كانت تنتقل مباشرة بين أفراد الحشد، أما اليوم فإنها تمر أولاً عبر الخوارزمية التي تحدد ما الذي يراه كل فرد، وبأي ترتيب، وفي أي توقيت، قبل أن يبدأ التفاعل الجماعي. وهكذا أصبحت البيئة الرقمية تشارك في إنتاج الوعي قبل أن يتحول إلى موقف سياسي أو اجتماعي أو ثقافي.

ومن هنا يتغير السؤال نفسه. فلم يعد: كيف تؤثر الجماهير في التاريخ؟ بل: من الذي يصوغ البيئة الإدراكية التي تجعل الجماهير تتجه إلى الخيار ذاته؟

إن الفارق بين السؤالين هو الفارق بين دراسة السلوك بعد تشكله، ودراسة الشروط التي أنتجته. فالسلطة الكلاسيكية كانت تدير الحشود بعد تكوينها، أما السلطة الخوارزمية فتبدأ قبل ولادة الحشد، عبر تشكيل إدراك كل فرد على حدة، حتى يبدو توافق الملايين نتيجة طبيعية، بينما هو حصيلة عمليات دقيقة من الانتقاء والتخصيص وإدارة الانتباه.

لذلك، فإن مراجعة لوبون لا تعني نقضه، بل تحرير أفكاره من سياقها التاريخي. فإذا كانت الثورة الصناعية قد أفرزت «الجماهير»، فإن الثورة الخوارزمية أفرزت «الجمهور الخوارزمي». وإذا كان عقل الحشد مفتاح تفسير القرن العشرين، فإن العقل الخوارزمي الذي يصنع الحشد هو مفتاح فهم القرن الحادي والعشرين.

ومن هذه النقطة يبدأ الانتقال إلى أورويل؛ فبينما انشغل لوبون بكيفية تشكل الجماهير، سينشغل أورويل بكيفية إخضاعها. أما عصر الخوارزميات، فسيتجاوز السؤالين معاً، ليبحث في الكيفية التي تُصنع بها البيئة الإدراكية التي تُنتج الجماهير قبل أن تتشكل أصلاً.

• عندما تجاوزت الخوارزمية الأخ الأكبر

إذا كان غوستاف لوبون قد سأل: كيف تتشكل الجماهير؟، فإن جورج أورويل سأل: كيف تسيطر السلطة عليها؟ وبين السؤالين انتقل التفكير من سيكولوجية الحشود إلى فلسفة السلطة.

في «1984» رسم أورويل نموذج الدولة الشمولية التي تحتكر القوة واللغة والذاكرة والحقيقة، ويجسد فيها الأخ الأكبر سلطة تراقب المجتمع من أعلى، بينما كشفت مزرعة الحيوانات أن الهيمنة لا تقوم على القوة وحدها، بل على إعادة تعريف المعاني حتى يصبح الظلم قابلاً للتبرير، ويغدو تغيير اللغة مدخلاً لتغيير الواقع.

غير أن قراءة أورويل اليوم ينبغي أن لا تبحث عن تطابق بين رواياته والعالم المعاصر، بل عن المسافة التي قطعها التاريخ منذ أن كتبها. فالسلطة الخوارزمية لا تعمل بمنطق الدولة المركزية، ولا تحتاج إلى وزارة للحقيقة أو إلى جهاز رقابة يمنع تداول الأفكار، لأن ترتيب المعلومات أصبح يؤدي الوظيفة نفسها. إنها لا تحذف المحتوى بقدر ما تتحكم في ظهوره، ولا تمنع الوصول إلى الحقيقة بقدر ما تعيد تنظيم الطريق المؤدي إليها.

ومن هنا انتقلنا من سلطة المنع إلى سلطة الترتيب، ولم يعد السؤال: هل تستطيع أن تتكلم؟، بل: لمن سيصل كلامك؟

هذا التحول يمثل قطيعة فلسفية أكثر منه تحولاً تقنياً. فالكلمة التي لا تصل إلى جمهورها لا تحتاج إلى مصادرة، والكتاب الذي يضيع وسط فيض المحتوى لا يحتاج إلى حرق. وهكذا انتقلت الهيمنة من السيطرة على المحتوى إلى السيطرة على شروط ظهوره.

لكن التحول الأعمق يتمثل في أن الخوارزمية لا تراقب الإنسان كما كان يفعل الأخ الأكبر، بل تتعلم منه. فهي تجمع بياناته، وتحلل عاداته، وتبني نموذجاً تنبؤياً لسلوكه، ثم تستخدم هذه المعرفة للمشاركة في تشكيل قراراته قبل أن يتخذها. وبذلك لم تعد السلطة تنتظر الرأي حتى تؤثر فيه، بل أصبحت تتدخل في البيئة التي يتكون داخلها الرأي نفسه.

ومن هنا أيضاً يتجاوز العصر الخوارزمي تصور أورويل للرقابة. فقد كان يخشى مجتمعاً يُمنع فيه الناس من الكلام، بينما يعيش الإنسان اليوم في بيئة تُشجعه على الكلام بلا انقطاع. وكل صورة، وتعليق، وبحث، وإعجاب، يتحول إلى بيانات تُضاف إلى خريطة نفسية تزداد دقة مع الزمن.

وتبلغ هذه الهيمنة ذروتها في إعادة إنتاج «الغرفة 101» بصورة جديدة. ففي رواية أورويل كانت الغرفة مكاناً يواجه فيه الإنسان أكبر مخاوفه حتى ينهار. أما اليوم، فإن لكل فرد غرفته الخاصة، لا تبنيها الجدران، بل تبنيها البيانات. فمن خلال معرفة الهوية، والاهتمامات، والمخاوف، والرغبات، تستطيع المنظومات الرقمية أن تخاطب كل إنسان باللغة الأكثر تأثيراً فيه، فتتحول السيطرة من نموذج عام إلى نموذج شخصي مصمم لكل فرد.

وهنا يكمن الفارق الجوهري بين السلطتين. فالسلطة التقليدية كانت تحتاج إلى أن تكون مرئية كي تُخيف المجتمع، أما السلطة الخوارزمية فتزداد قوة كلما بدت غير مرئية. إنها لا تفرض الطاعة بالقوة، بل تعيد تنظيم الانتباه، وتوجيه الإدراك، وصياغة السياق الذي تتكون داخله القناعات، حتى يبدو الاختيار الشخصي حراً، بينما تتحكم البيئة الخوارزمية في شروط تكوينه.

ولذلك، فإن تجاوز أورويل لا يعني أن تحليله فقد قيمته، بل يعني أن أدوات الهيمنة تطورت من مراقبة الإنسان إلى المشاركة في إعادة تشكيل بنيته الإدراكية. وإذا كان أورويل قد كشف كيف تُخضع السلطة المجتمع، فإن التحدي اليوم هو فهم سلطة لم تعد تكتفي بالمراقبة، بل تعيد تشكيل الإنسان من الداخل، لتنتقل بذلك من إدارة السلوك إلى هندسة الوعي.

• من النمر المروَّض إلى الإنسان الخوارزمي

ليست قصة «النمور في اليوم العاشر» مجرد عمل أدبي، بل واحدة من أكثر الاستعارات العربية عمقاً في تفسير علاقة السلطة بالإنسان. فهي لا تتحدث عن نمر داخل قفص بقدر ما تكشف كيف تستطيع السلطة، عبر التدرج والزمن، أن تعيد تشكيل طبيعة الكائن نفسه.

لم يفقد النمر شراسته بضربة واحدة، بل عبر عملية متراكمة من التجويع، والحرمان، والمكافأة، والعقاب، والتكرار، حتى انتهى به الأمر إلى قبول القفص بوصفه فضاءً طبيعياً للحياة. وهنا تكمن عبقرية زكريا تامر؛ فالسلطة لا تنتصر عندما تكسر الجسد، بل عندما تعيد تشكيل الوعي، فيصبح الخضوع اختياراً يبدو طبيعياً لصاحبه.

غير أن السؤال اليوم لم يعد: كم يحتاج الترويض من الوقت؟ بل: كيف تغيرت أدواته؟

في قصة زكريا تامر كان القفص مرئياً، وكان النمر يعرف أن هناك مروضاً يقف أمامه. أما في العصر الخوارزمي، فقد اختفى المروض واختفت القضبان معاً. لم يعد القفص مكاناً، بل أصبح بيئة رقمية يعيش الإنسان داخلها، يعمل ويتعلم ويتواصل ويكوّن مواقفه من خلالها، بينما تعيد هذه البيئة، بصمت، تنظيم ما يراه وما لا يراه، وما يتكرر أمامه وما يختفي من مجال إدراكه.

لقد انتقلت السلطة من المواجهة إلى الإحاطة، ومن الإكراه إلى التكيّف، ومن القسر إلى إدارة الاحتمالات. فهي لا تطلب من الإنسان الطاعة، بل التفاعل، وكلما ازداد تفاعله ازدادت معرفتها به، وأصبحت أكثر قدرة على إعادة تشكيل البيئة التي يتخذ داخلها قراراته.

وهنا يظهر الفارق الجوهري بين نمر زكريا تامر والإنسان الخوارزمي. فالنمر فقد حريته وهو يعرف أنه داخل قفص، أما الإنسان فقد يفقد جزءاً من استقلاله الإدراكي وهو يعتقد أنه يمارس أعلى درجات الحرية.

ولهذا لم تعد الهيمنة الحديثة تقوم على تقليص الخيارات، بل على إعادة ترتيبها. فهي لا تمنع البدائل، وإنما تمنح بعضها حضوراً أكبر من غيرها، حتى يبدو الخيار الذي يصل إليه الإنسان وكأنه نتاج إرادته الخالصة، بينما هو ثمرة بيئة صُممت لتوجيه انتباهه.

ومن هنا يتغير معنى «اليوم العاشر» نفسه. فلم يعد زمناً تنتهي عنده عملية الترويض، بل أصبح حالة دائمة تتجدد مع كل تمرير للشاشة، وكل توصية، وكل إشعار، وكل عملية بحث. إن الترويض لم يعد حدثاً استثنائياً، بل عملية هادئة ومستمرة تعيد تشكيل الإدراك تدريجياً حتى يصبح الإنسان أكثر توافقاً مع البيئة التي يعيش داخلها، وأقل ميلاً إلى مساءلتها.

وبذلك تكتسب قصة زكريا تامر دلالة جديدة. فالقضية لم تعد أن يتحول النمر إلى كائن أليف، بل أن ينسى أصلاً أنه كان نمراً. وهذا هو الإنجاز الأعمق للهيمنة الخوارزمية؛ فهي لا تعيد إنتاج السلوك فحسب، بل تعيد إنتاج الذاكرة، والرغبة، ومعايير الحكم، حتى يصبح القفص غير مرئي، ويغدو الإحساس بالحرية جزءاً من آلية السيطرة نفسها.

لذلك فإن قراءة «النمور في اليوم العاشر» في العصر الخوارزمي لا تقودنا إلى سؤال عن السلطة وحدها، بل إلى سؤال عن الإدراك نفسه: هل يستطيع الإنسان أن يكتشف أنه يعيش داخل قفص، إذا كانت قضبانه مصنوعة من البيانات، وكانت أبوابه مفتوحة دائماً؟

• من هندسة الأنظمة إلى هندسة الوعي

تكشف قراءة المسار الممتد من غوستاف لوبون إلى جورج أورويل ثم زكريا تامر أن تطور السلطة لم يكن تطوراً في أدواتها فحسب، بل في موضوعها أيضاً. فقد انشغل القرن العشرون بهندسة الأنظمة؛ بتنظيم الدولة، وبناء المؤسسات، والسيطرة على الإعلام، وضبط المجال العام، وكانت السلطة تُقاس بقدرتها على احتكار القوة أو المعلومات.

أما اليوم، فقد انتقل مركز الثقل من هندسة الأنظمة إلى هندسة الوعي.

فالخوارزمية ليست مجرد تقنية لتنظيم المحتوى، بل منظومة لإدارة الانتباه، والانتباه هو البوابة التي يعبر منها الإدراك إلى الوعي، ومنها تتشكل القيم، والأحكام، والقرارات. لذلك، فإن من يملك القدرة على تنظيم الانتباه، يملك قدرة استثنائية على إعادة تشكيل رؤية الإنسان للعالم.

وهنا يكمن التحول الفلسفي الأهم. فقد انشغل الفكر التقليدي بتحليل الرسائل الإعلامية والخطابات السياسية، بينما أصبح السؤال الأكثر أهمية اليوم: من الذي يقرر أي الرسائل ستظهر، وأيها ستتكرر، وأيها ستختفي قبل أن يبدأ الإنسان بالتفكير فيها؟

فالسلطة الخوارزمية لا تبدأ من الرسالة، بل من البيئة التي تجعل الرسالة ممكنة. والرسالة يمكن نقدها أو رفضها، أما البيئة التي تنتجها فغالباً ما تبقى غير مرئية، ولذلك تكون أكثر تأثيراً.

ولهذا لم تعد الهيمنة تعتمد على الإقناع المباشر أو الإكراه المباشر، بل على إعادة تصميم المجال الإدراكي الذي يتحرك داخله الإنسان. إنها لا تملي عليه ما يفكر فيه، بل تعيد تشكيل العالم الذي سيفكر من خلاله.

وبهذا المعنى، لا تنافس الخوارزمية العقل، بل تسبقه. فهي ترتب أولويات المعرفة، وتنظم تسلسل ظهورها، وتحدد كثافة حضورها، ثم تترك الإنسان يعتقد أن النتائج التي وصل إليها هي ثمرة استقلاله الكامل.

ومن هنا، لم تعد الهيمنة تعني السيطرة على القرار، بل السيطرة على الشروط التي يُولد فيها القرار.

ويفسر ذلك مفارقة العصر الرقمي؛ فكلما ازدادت المعلومات المتاحة، ازداد اعتماد الإنسان على المنظومات التي ترتبها له. لم تعد المشكلة نقص المعرفة، بل فائضها، ولذلك أصبحت الخوارزمية الوسيط الذي يختار ما هو مرئي وما هو هامشي، وما يستحق التكرار وما يختفي داخل الضجيج.

ولهذا لم يعد الصراع الحقيقي يدور حول امتلاك الحقيقة، بل حول امتلاك البيئة التي تُنتج الحقيقة الاجتماعية.

كما أصبحت الحرية نفسها بحاجة إلى إعادة تعريف. فحرية التعبير لا تكفي إذا كانت آليات الوصول إلى المجال العام تخضع لمنطق خوارزمي، وحرية الاختيار لا تكون حقيقية إذا كانت البدائل قد خضعت مسبقاً لعمليات الانتقاء والترتيب والتخصيص.

وعند هذه النقطة تلتقي أفكار لوبون وأورويل وزكريا تامر داخل إطار واحد. فقد بحث لوبون في تشكل العقل الجمعي، وبحث أورويل في إخضاعه، وكشف زكريا تامر كيف ينسى الإنسان حريته، أما العصر الخوارزمي فيفرض سؤالاً يسبق هذه المراحل جميعاً: كيف تُبنى البيئة الإدراكية التي تجعل الإنسان يرى، ويفكر، ويختار بالطريقة التي صُممت له؟

وهذا السؤال لا يمثل تطويراً لنظريات القرن العشرين بقدر ما يمثل انتقالاً إلى مستوى معرفي جديد، لم تعد فيه السلطة، والإعلام، والخوارزمية، والجماهير موضوعات منفصلة، بل عناصر متداخلة في منظومة واحدة تعمل على إعادة تشكيل الوعي بوصفه المجال المركزي للصراع في القرن الحادي والعشرين.

ولذلك، فإن الثورة الخوارزمية لا تكمن في الذكاء الاصطناعي أو البيانات الضخمة بحد ذاتهما، وإنما في انتقال مركز الصراع من السيطرة على المجال العام إلى السيطرة على البنية الإدراكية التي يتكون داخلها المجال العام نفسه. ومن هنا، لم يعد السؤال: كيف ندرس الإعلام أو السلطة؟ بل: كيف ندرس البيئة الخوارزمية التي أصبحت تنتج كليهما، وتعيد في الوقت نفسه تعريف الإنسان؟

• نحو سيكولوجية جديدة للجماهير

في العصر الخوارزمي

يقودنا هذا المسار إلى نتيجة أساسية مفادها أن التحول الذي نعيشه اليوم لا يقتصر على تطور وسائل الاتصال، بل يمس البنية النفسية والاجتماعية التي يتشكل داخلها الوعي الإنساني.

لقد كان غوستاف لوبون محقاً حين رأى أن الجماهير تمتلك منطقاً نفسياً يختلف عن منطق الأفراد، وكان جورج أورويل محقاً حين كشف أن السلطة تسعى إلى احتكار الحقيقة واللغة والذاكرة، كما كان زكريا تامر محقاً حين صوّر الترويض بوصفه عملية تنتهي عندما ينسى الكائن طبيعته الأولى. غير أن هذه النماذج جميعها انطلقت من افتراض واحد؛ أن الإنسان يواجه سلطة يمكن التعرف إليها، سواء كانت حشداً، أو دولة، أو مروضاً.

أما في العصر الخوارزمي، فقد أصبحت السلطة أقل ظهوراً وأكثر حضوراً. فهي لا تبدأ من القرار السياسي، بل من الانتباه، ولا تتدخل بعد تكوّن الرأي، بل تشارك في تشكيل البيئة التي يُولد داخلها الرأي. ومن هنا، لم تعد الجماهير نقطة البداية، بل أصبحت نتيجة لعمليات خوارزمية تعيد تنظيم المعرفة، وإدارة الانفعال، وتخصيص التجربة الإدراكية لكل فرد قبل أن يلتقي الأفراد في موقف جماعي واحد.

ولهذا، فإن سيكولوجية الجماهير لم تعد تدرس كيف تفكر الجماهير، بل كيف تُصنع الجماهير. كما لم يعد الرأي العام يُفهم بوصفه حصيلة تفاعل اجتماعي حر، بل بوصفه نتاجاً لبيئات رقمية تعيد ترتيب المعرفة، وتتحكم في مسارات الوصول إليها، وتحدد ما يصبح مرئياً وما يبقى خارج مجال الانتباه.

ويترتب على ذلك أن الحرية نفسها تحتاج إلى إعادة تعريف. فهي لا تقتصر على حق التعبير أو تعدد البدائل، بل تتطلب القدرة على إدراك البيئة التي تشكل ما يراه الإنسان وما يعتقد أنه اختاره بإرادته. فالخطر الحقيقي لا يكمن في أن تُصادر الإرادة، بل في أن يُعاد تشكيل شروط تكوّنها دون أن يشعر صاحبها.

ومن هنا، فإن سيكولوجية الجماهير في العصر الخوارزمي لا تمثل امتداداً مباشراً لنظريات القرن العشرين، بل تمثل انتقالاً من دراسة الحشود إلى دراسة البيئات التي تنتج الحشود، ومن تحليل الرسائل إلى تحليل المنظومات التي ترتب ظهورها، ومن فهم السلطة بوصفها احتكاراً للقوة إلى فهمها بوصفها قدرة على تنظيم الإدراك.

إن الصراع في القرن الحادي والعشرين لم يعد يدور حول احتكار الأرض أو الثروة أو وسائل الإعلام فحسب، بل حول احتكار البيئة التي يتشكل داخلها الوعي الإنساني. ولذلك، فإن المهمة الأساسية للعلوم الاجتماعية لم تعد إعادة شرح لوبون أو أورويل أو زكريا تامر، بل امتلاك الجرأة الفكرية التي امتلكها كل منهم في قراءة عصره، وبناء مفاهيم جديدة تفسر التحول الذي أحدثته الخوارزميات في علاقة الإنسان بالسلطة والمعرفة والحرية.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يغادر معنا هو ليس: هل تؤثر الخوارزميات في الجماهير؟ فهذا أصبح من مسلمات عصرنا، بل: هل ما زال الإنسان يمتلك القدرة على إنتاج وعيه، أم أن إنتاج الوعي نفسه أصبح ميدان الصراع المركزي في القرن الحادي والعشرين؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل الإعلام أو السياسة وعلم الإجتماع، بل ستحدد مستقبل الإنسان نفسه.